
في اللغة العربية أن الوسط هو رأس الجبل وأعلاه، حيث يتمكن من يكون أو يقيم فيه أن يرى كل شيء، ويراه الجميع، فيشهد لهم وعليهم، على أهلية لذلك، ويشهدون له وعليه، لأنه ظاهر لهم جميعاً.
لقد كنت معنياً منذ أخذ وعيـي بذاتي وبما ومَن حولي يسير بوتائر متسارعة، أن أتوفر على محفزات ومسوّغات لاختياري للوسطية موقعاً للرؤية والحركة والمعرفة... وكأن تلك الوسطية كامنة في نسيجي وتبحث عما يسندها وينميها.
وبعدما أخذت فرصي غير المـجدية إلا في حدود غير مجزية، في الاندفــاع ذات اليـمين مرة وذات اليسار مرات... وجدتني، ومن أجل حفظ توازني وانسجامي، ملزماً بتسـييج موقعي الوسطي، بالمراجعة والتراجع إذا اقتضى الأمر، على اساس نسبـية المعرفة ومكوث السؤال على باب المعرفة حارساً لها من الإطلاق والتعميم القاتل وضمــاناً لنموها بالنقد والبحث الدائب عن الحق والحقيقة... ومن هنا أعدت نظري في الخلاصات التعميمية غير المدققة، والتي أصبحت بالتكرار بمثابة أدلجة سياسية للتمايز الطــائفي في لبنان، من خلال الظروف التي أســست للاستـقلال بعد تأسيس الكيان في كنف الانتـداب الفرنسي.
وقرأت علاقة وحركة الشـيعة في لبنان بالكيان والاستقلال قراءة وسطية، ولاحظت أن القوى الشيعية الأساسية قد عجــلت في قـبولها بعد الممانعـة، بالكيان اللبــناني (لبنان الكبير) من دون أن تتخلى عن ذاكرتها وأحلامها العربية، أي أن الخيار كان وسطياً، بحيث لم يكن الرفض مصطلحاً صالحاً لوصف الموقف الشيعي، وبقي خطاب المعارضة، من فترة التأسيس الى الاستقلال وما بعده، علامة على هذه الوسطية القائمــة على موازنـة القبول والاندماج والاعتراض معاً... وعلى هذا الأساس أجريت مراجعة على ما استقر في ذهني وتبلور في سلوكي من اعتبار الكيان اللبناني مصطنعاً وموقتاً، حيث لاحظت أن الاصطناع يمكن أن يفسر أو يسهم في تفسير نشأة الكيان، ولكنه لا يفسر ما حدث لاحقاً من رسوخ هذا الكيان، الذي لا مانع من وصله أو تواصله بأعماقه العربيـة من خلال حدوده لا قفزاً فوقها. حفظاً له بها ولهـا به، كل ذلك نبهني الى قناعــة مســتندة الى وقــائع وأرقام، تدل على أن الانقسام اللبناني على الاستقلال، بين الغرب (فرنسا) والــعرب (سوريا) لم يكن عمودياً بين المسلمين والمسيحيين، كما لم يكن في أي شأن لبناني حتى الآن، من أحداث 1958 الى الستينيات وإشكالية المقاومة الفلسطينية، الى الحروب اللبنانية التي استمرت عقوداً، منــذ عام 1975، الى الطائف وما أعقبه من تفاهمات وصراعات... ودائماً كان هناك مسلمون في الصف الموصوف بالمسيحي كما كان هناك مسيحيون في الـصف الموصوف بالإسلامي، كانت وما تزال المشاكل مركبة والمواقف والتحالفات مركبة ومن دون ثبات مطلق في معادلاتها حتى في الصف الواحد أو الشبيه بالواحد.
وفي أدبياتنا الإسلامية هناك تذكير على ان مصداقية الفرد في المجتمع تقاس على مصداقيته في أسرته، والمأثـور عن الرسول «ص» في هذا المجال قوله: «خــيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي»... وعليه كان لا بد لي أن ألتمس هذا النزوع الوسـطي لـدي في فطرتي، وفـعلاً وجدت اصلـه وجـذوره وتجلياته في طفولتي.. تذكرت أن الانقسام بين عائلتي آل فحص، في قريـتي، وبين العائلة التي تليها في العدد وتوازيها وتحاول أن تتجاوزها في الطموح والنفــوذ، آل حرب، لم يكن عمودياً كذلك، فكان كثيــرون من العـائلتين في الوسـط، كـانوا من الأكثر تعـقلاً وتــأثيراً في المحصلة، ما جنب الجميع أن تتحول الخدوش المزعجـة والمتبــادلة الى جراح دائمة وعميقة، ما يؤكد أن الوسطـية تقـود الى التسوية التي إن لم تقم على التنازلات الشجاعة أدت الى خسائر فاجعة... وقد كان عدد من آل فحـص أشـد مـيلاً، وإن قليلاً، الى آل حرب، وكذلك عدد من آل حرب بالنسبة لآل فحص... أما السبب فهو ان زوجاتهم كن من العائلة الأخرى... وهذه ميزة للريف، ريفنا القديم، الذي وصـلت إلــيه المدينة فارغة من مضمونها، بينما ذهب هو الى المدينة بالسلبي من مضاميــنه، كان ريفـنا آتياً من الأرض كوسيلة إنتاج جامعة، عـائداً إليها على أساس الشراكة التامة بين المرأة والرجل، على عكس مدينتنا التي تقول شيئاً عن المرأة وتفعل شيئاً آخر من دون ان تتدبر دورة إنتاج تفصل في أمر الشراكة بين المرأة والرجل.
هذا وتوزعت العائلات الأخرى الأقل عدداً، والتي عادت أعداد بعـضها فـزادت وتفوقت على غيرها عددياً (آل بهجة) وعــادلت او تفوقت بمجمـلها على العوائــل الكبرى في مجال الثروة والكفاءات العلــمية (نسبياً).. ذلك انها شعرت بالتحدي... بينما استرخى وجهاء آل فحص مطمئنين الى ملكياتهم العقارية المتوسطة التي عادت الى التــفتت لأنها لم تُحفظ بالتنمية او الطموح العلمي، خاصة لدى الكبار من آل فحص... بينما كان الأقل يسراً من بينهم أكثر عنـاية بحــالهم وأوفر تحصيلاً... إذن توزعــت العائلة الأقل عدداً وعلى مقتضى علاقات المصاهرة، أي وراء المرأة أيضاً، فاسهمت في إعادة القرية الى التوازن والمصالحة... وكان لنظام المصالح المحدود بحدود القرية دوره الفاعـل في المصالحة والتسوية ليثــبت أنه مــن أهم نواظم الاجتماع المحلي والوطني... وهنا يصبح العيش المشترك شأن المجتــمع الذي ينتجه على اساس المصلحة التي تقود الى استحضار القيم والأفكار المشتركة من دون ان تلغي الاختلاف ومن دون أن تسمح بانتكاسة الى خلاف أو صراع... ويصـبح... العــيش المشترك، شأن الدولــة بما هي جــامعة وراعية لأنظمة المصالحة المشتركة.. حتى إذا عجزت أو قصّرت في حماية أو تنمية هذه المصالح اختل نصاب العيش المشترك ليعيد المجتمع بناءه حمايةً لكل من مكوناته بالمكون الآخر.
بدأ وعيي بذاتي وما حولي يتبلور في اللحظة التي دشن فيها آل فحص وآل حرب قطيعتهم مع التوتر والصراع، ودخلت في مرحلة السلم الأهلي القروي من دون ذاكرة صراعية، إلا ما تسرب الى سمعي من ذكريات متقطعة تمت روايتها للتفكر بها مرة وللتنصل من سلبياتها مرة أخرى، وختم الرواية بالحمد لله على السلامة..
ساعدني في الابتعاد النسبي الكبير عن العصبية العائلية، أن والدي كان أقرب بمزاجه وتدينه الى الوسطية، متأثراً بتربية والده له وخؤولته من آل الزين الذين كانوا مشايخ القرية ورعاة جماعاتها.
وإذ قطعت القرية مع ماضــيها الصراعي الذي توقف بمساعي الجميع عند حد محدود، ولم تؤثر تدخلات الزعامات السياسية في استمراره، لم تجد نفسها ملزمة بالتخلي عن خياراتها السياسية التي كانت محصورة في الشراكة في الانتخابات النيابية أو الاختيارية... والمفارقة أن نسبة الاعتدال لدى من اختاروا البقاء في القرية كانت تفوق نسبته لدى الذين اختاروا المدينة للعمل فيها... وكأن (البيارتة) انقطعوا نسبياً عن أهلهم وظلوا اسرى ذاكرتهم وإن كانت ضعيفة.. شأن المهاجرين اللبنانيين منذ عقود من السنين الى أصقاع الدنيا، والذين ما يزالون يعيشون الصراعات السابقة واللاحقة بشكل يدعو الى الدهشة والمقت أحياناً.
ومن المفارقات الجميلة أن الأشخاص الذين كانوا اشد عناية في تغذية الانقسام أو الفتنة، قد انتهوا الى حالة من النبذ من قبل رهطهم العائلي، وإن كان بعضهم قد أعاد تأهيل نفسه للاندماج من خلال سلوك مختلف جذرياً عن سلوكه السابق.
لقد فرحت قريتنا عندما تـمت المصالحة بين ابو حمزة أحمد الســيد عبد الله فــحص ونعمة نجل السيد هادي فحص كبير العائلة وزعيمها القوي بأسرته الخاصة الكبيرة والشديدة البأس. لقد كان ابو حمزة اثناء الصراع اقرب الى اخواله آل حرب، وكان يقتني الســلاح (صـياد) فأطــلق طلقة من مسدسه على خاصرة السيد نعمة وأصابه، ولكنَّ الله منَّ على الجريح بالشـفاء، ما استــثار الجمــيع ونبههم في نفس الوقت الى خــطورة الوضع، خاصة بعد ان اصيبت احدى سيدات آل حرب برصاصة غامضة، ولعــلها مدبرة، في قدمها ولكنها نســيت الرصاصة لاحقا... كان الجو العام في القـرية يدعو الى المصالحات الفرعية على قاعدة المصالحة العامة. وقد فر عدد كبير من شباب القرية المتخاصمــين الى كنف الحزب الســوري القومي الاجتــماعي الذي اخترق حدود العوائل العـازلة، والتقى نعمة فحص وأحمد فحص في الحزب.. تصالحا ثم خرجا من الحزب معاً.. ولم يبق في الحزب إلا اقل القليل، من دون ان يستطيع احد نكران اثره الطيب الذي لم يكن ليثمر لو لم تكن نفوس أهلنا مؤهلة لذلك.. خاصة ان بعض تجارب الاحزاب لم تكن جامعة بقدر ما كانت مفرقة.
وفي الفــترة التي كانت علامـات ومؤشرات الصراع العائلــي تتلاشى ازدهرت المدرسة الرسمية وساعدها في ذلك المبنى المتواضع الذي قدمه المرحوم جميل حرب، فتحولت الى مصنع للوطنية ككل المدارس الرسمية، حيث اخذ فتيتنا يأخذون معارفهم الاولى من معلمين اكثرهم مسيحيون، ما كان يعني ان الآخر ضرورة حياة ومعرفة لا بد من اكتشافها والتعاطي معها بوعي، ومع المدرسة الرسمية كانت المدرسة الخاصة للبنات التي أسستها جمعية نسائية وطنية لبنانية بسعي من السيدة اسمى قليلات زوجة جميل حرب، وأتتها المعلمات من أديان ومذاهب مختلفة، ذاهبة الى اجتماع متنوع واحد ووطن وواحد.
كان ذلك بالنسبة لي فرصــة ذهــبية مكنتني من التواصل اليومي مــع أسر اساسية، من آل حرب، ساعدتــني علـيه جيرة لا فكاك منها، فقد كان منزل المغـترب في السنغال رضا حرب يبعــد عن مــنزلنا عشرين متراً. وكنا نسهر معــهم في الصيف، هم على شرفتهم ونحـن على شرفــتنا، حتى اذا كان هناك ما لا يقاوم من جاذبيـة في السهرة، تسللت واندمجت وهناك عرفت شخصيات اذكر منها الزعــيم في الدرك اللبناني (امين علوية) الذي طلب مـني ان آتي له بمشط ليمشط شعره وهو اصلع تام الصلعة، وصدقته، وعرفت الشاعر المرحوم ابراهيم بري ـ تعمقت علاقتي به لاحقاًـ عندما سمعته يصرح بقصيدته في ذكرى مولد الرسول ليلاً على شرفة منزل رضا حــرب «سبّحْ الله فالضياء توقد وعلى الكون نسمة من محمد سبّحْ الله فالسماوات ضجت بالتســابيح للرسول المؤيد» لقد اندمجت في أهل المنزل حتى اصبحت وكأني واحد منهم، على الرغم من الفارق الطبقي بيننا.. ولم انس يوما أم جميل والدة رضا حرب، التي كانت تخصني بشيء من الفواكه النادرة في قريتنا وتحيطني بعناية خاصة وتغض طرفها عن مشاركتي لحفيدها في سرقة أكواز الرمان من حديقتهم!
وكذلك جميل حرب، الذي تعرفت إليه متأخراً وأدهشني في قدرته على تخطي عوائق التحصيل العلمي في صغره الى ثقافة واسعة وخبرة أوصلته الى صداقة كبار جدا من الحكام العرب حتى عين قنصلاً فخرياً للأردن في افريقيا.
وعلى بعد أربعين مترا من منزلنا كان منزل المختار عبد الغفار حرب أهم رموز فترة الصراع وأهدافها، ولم أجد عائقاً، إلا حائطاً صخرياً متوسط الارتفاع، كنت اقفز فوقه، لأصل الى منزل الحاج عبد الغفار، صديقاً على فارق في العمر مع أنجاله، أبو حاتم والحاج حسين وأحمد (الفستق) الذي كان فاكهة أهل الضيعة وحبيبهم وحبيبي الذي يقدم لي خدمة الشاي صامتاً ليالي الامتحان معتبراً نجاحي نجاحه ويهرّب لي السجائر اللازمة. وفي لحظة تدقيق واستذكار واعتبار، عرفت ان المرحومة أم أولاد الحاج عبد الغفار كانت من فرعي العائلي من آل فحص، وعندما توفيت تزوج ثانية من آل فحص وبعدما طلقها تزوج ثالثة من آل فحص، شأن الحاج احمد علي يوسف حرب الذي تزوج وأنجب من ثلاث نساء من بنات وجهاء آل فحص وشأن أبو صافي حرب احد رموز الفترة السابقة وهو صهر احد وجهاء آل فحص الذي لحق به اخوه احمد فتزوج من كريمة احد وجهاء آل فحص، وهكذا جمعتنا الرحم المشتقة من الرحمة او الرحمة مشتقة منها.
وهكذا استرحت الى ظل شجرة زيتون، لا شرقية ولا غربية، في بستان الوسطية، واكتشفت بالتدريج، المساحات القابلة للاتساع، ما مكنني من ان اتجاوز خلافات اعمامي، فيما بينهم وبينهم وبين أبي لأسباب لم اقتنع بها، ولم يقتنعوا، ولكنهم اختلفوا، وقفزت فوق الحوائط الصخرية طلباً للدفء في منازل اعمامي مستمتعاً بحريتي التي وفرتها لي وسطيتي. هذه الوسطية التي لم تسلم من انفعالات وانحيازات لا تخلو من كراهة، ربما كانت احد الاسباب التي جنــبتني الانـقطاع الى حزب من الأحزاب من دون ان تحرمني من لذة استكشاف المساحات الخضراء المشتركة بينها.
وعندما عاتبني بعض الاصدقاء في ندوة صريحة في الكويت، على التغير في موقفي السياسي، من دون عداوات طبعاً، بررت ذلك بأني اقرب الى المثقف مني الى السياسي، وإن بدا عليّ اني سياسي احياناً، فإني آتي الى السياسة من الثقافة، وهنا اختلف مع السياسي الذي لا يميل كثيرا الى التدقيق ويهتم بالجمهرة والتعصيب، اما أنا فالمفروض ان ابحث عن الحقيقة وبصرف النظر عمن يوافقني او لا يوافقني، وهذا ليس استقالة من الموقف بل بحث دائم عن الصواب.
ابحث
أضف تعليقاً