wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
النموذج الرباني للعولمه وفق رؤية إسلامية وسطيه جديدة
كامل ابوصقر

إن إبراز النموذج الرباني للعولمة وفق  رؤية إسلامية  وسطيه جديدة ، منطلقين من أن الإنسان خليفة الله في الأرض ؛ لكونه هو المركز والهدف النهائي، وهو الذي سخر الله من أجله جميع النظم المقروءة والنظم المنظورة سواء في السموات أو في الأرض، وكرمه على من خلق  حتى الملائكة، فكل شيء يجب أن يكون لخدمة الإنسان، سواء كانت النواحي المادية والتطبيقية، أو النواحي المعنوية والروحانية والأخلاقية والإنسانية، أو العولمة التجارية أو العولمة بنماذجها المختلفة.

 لهذا فإنه يجب ألا تكون الثقافة بمعناها الواسع هي السبب في صدام الحضارات كما يروجون لذلك؛ لأن  هناك سمات مشتركة بين كل الناس، فهم مشتركون في الأصل الطيني "التراب"، وبالنفخة الربانية، وبالفطرة الدينية، وبالإقرار بالربوبية في عالم الذر، وبنظم الأسماء والأشكال التي علمت لآدم (عليه السلام)، وبنظم المعاني والمفاهيم التي علمت لنوح (عليه السلام)، وإبراهيم الذي جمع بينهما، والتي توارثوها عن طريق الجينات، أو التواتر، ومحمد (عليه الصلاة والسلام) الذي أعاد جمع هذه النظم بعد أن ضل أصحابها الطريق.

وإذا ما أردنا التوسع في الوحدة المشتركة للمعرفة والثقافة، فإننا نستطيع أن نمد وحدة المعرفة إلى مخلوقات أخرى، وهي أمم مثلنا، سواء أكانت في الكون والطبيعة بمعناهما الواسع، أم في الحيوان أو النبات؛ حيث التسبيح الذي لا نفقهه، والسجود؛ أي الطاعة للخالق الذي يأبى كثير من الناس أن يسجدوا له، فهذا المد لنظرية وحدة المعرفة إلى الكائنات الأخرى، أو لنقل إلى تلك المجتمعات من الحشرات والنمل والنحل، وحقيقة الاتصال فيما بينها، والتي وهب الله سليمان (عليه السلام) فهم مقولة تلك النملة.

 فإذا كان ذلك مع مخلوقات أخرى، فكيف إذا ما عرفنا أن جميع الشعوب والأمم تشترك بتحريم وكراهية السفاح بين الأقارب والنفور منه، وتجل فضيلة الإيثار، ومسألة البحث عن الذات، أو احتلال موقف أو مركز ما ليس من حقه؟  وإذا كان علم الأعصاب قد أثبت وجود جينة معينة مسؤولة عن نشوة التدين أو الانجذاب نحو التدين (ويلسون وحدة المعرفة – مجلة نيوزويك يوليو 1998) وهو ما يوافق قوله تعالى في سورة الروم : (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [سورة الروم الآية30] ومع ذلك ، فإن هناك خصوصية لكل مخلوق، إضافة إلى ذلك فإن تأثيرات البيئة والتعليم والعمل، وخبرة الحياة تجعل أن الاختلاف والتنوع لا يقتصر على الشعوب والأمم فقط ؛ بل على الأفراد والأشخاص في كيان  كل أمة.

وهــو مـا يجعل مسألة وضع قانون معين لضبط سلوك البشر وحياتهم أمراً مستحيلاً، وهذا سبب إخفاق فرضية فوكوياما بنهاية التاريخ وموتها، والذي يفترض أن على الأمم أن تحذو حذو الديمقراطية الليبرالية الغربية. كما وأن سبب التخبط في الأفكار والفرضيات مصدره البعد عن المنهج الرباني الذي يصلح لكل الأمم والمخلوقات؛ فالله يعلم ما يناسبها، وقد بيّن لنا القواسم المشتركة بين جميع الشعوب والأمم، ووضع قانون الاختلاف والمدافعة، كصيانة للأرض وضمان لعدم فسادها.

 فالعولمة إنما تعني الفساد ، ولأنها تجاوز لكلمة الله التي سبقت على جميع اتجاهات العولمة أو الأقلمة. فعالم ماك، على رأي بنجامين، يجب أن يهتدي بالنموذج الرباني أو على الأقل أن لا يتجاوز حدوده. فعندما يقبل الليل كل منا يضيء مصابيحه _ وفق حالته وظروفه _، فهناك المصباح الكهربائي، وهناك المصباح البدائي، الذي يعمل بالزيت والفتيل والسراج، وهناك لمبة الكاز. ولكن عندما يبزغ الفجر كل منا يطفئ مصابيحه؛ لأن نور الشمس وضياءها أكبر وأقوى من كل مصابيحنا. وكذلك الأمر بالنسبة لأي منهج، أو نظرية، أو سياسة، أو قانون، أو فكر، أو علم، أو ثقافة، أو معرفة، أو سلوك نحو العولمة أو نظرة كل منا التي ينظر من خلالها إلى العالم المحيط به، ويفكر بالأمور والعلاقات مع غيره من منطق فهمه، ونظريته، وثقافته، وقانونه، ومعرفته، وعلمه، ومنهجه، وعولمته، فإذا جاء منهاج الله وشريعته وصراطه المستقيم، فعلى جميع تلك الأفكار والنظريات والأساليب أن تتوقف تماماً، كما هي الحال مع المصابيح والأنوار التي تتوقف عند قدوم النور والضياء الذي خلقه الله، والذى ضرب مثلاً لنفسه به فكان ولا يزال ذلك  النور ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجـة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) [ سورة النور رقم 24 الآية: 35].

من أجل هذا فان  الأنموذج الرباني ، قادر على أن يحاور ويعلو على  النماذج الخاصة بالعولمة وأساليبها، والصعوبات التي تعرقلها وتعيقها، وليبيّن كيفية العولمة التجارية، وكيفية بقائها وتطويرها. ومن خلال تلك المحاورة يمكن  تطوير أنموذج آخر، وأضافة بُعد آخر، وسيطفئ جميع النماذج السابقة، أو يحد من تطرفها، أو يجعلها تتوقف عند حدود الأنموذج الذي رسمه لنا الله. ولكون الأنموذج من كتاب الله؛ وكتاب الله حق وصـدق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن جميع النماذج الأخرى ستخبو رويداً رويداً. وبمقدار تقدم الأنموذج الرباني المبلور تتراجع تلك النماذج؛ فتلك النماذج ما كان لها أن تسود لولا أن المسلم ترك الأنموذج الرباني وهجره، ولكن الله وعد أن يظهره على جميع النماذج الأخرى من العولمة التجارية والإدارية، بما فيها من  النماذج والآليات والنظم، ولكن وفق  رؤية إسلامية  وسطيه جديدة. 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.