
منذ إندلاع الأزمة السورية وتحرك الربيع العربي في مدنها وقراها الذي يطالب بجزء من حقوقه الإنسانية المشروعة، وهو حق الحياة بكرامة، وحق الحرية بحيث يصبح الإنسان العربي السوري يعبر عن رأيه، ويحاور غيره، يقبل الرأي والرأي الآخر، دون ملاحقة أو كبت لحرية التعبير، وفي كل صباح يفد إلى الأردن عرين الأسود والقطر المضياف الآف من الأخوة الأشقاء السوريين من كل أنحائها، طلباً للأمن والأمان، وهروباً من الموت والقتل والدمار، يحملون أمتعة المسافر الهارب المهجر قصراً من منزله بعد أن دمر على رأسه، لهيب البارود أفجع الأم على ولدها، والأب على مصير أسرته المجهول، ومعظم هذه الأسر في بيتها قتيل أو قتلى، ترى في عيونهم الأسى والفجيعة، بعد أنّ كانوا آمنين على أنفسهم وأرواحهم وأطفالهم وبيوتهم، بل كان المواطن السوري الشهم مثالاً للكرم والنخوة، يقدم زاد أطفاله لأخوانه الزوار من العرب وغيرهم، وغاية سروره أن يقدم الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني بإنسانية عَزّ نظيرها.
فتح الأردنيون قلوبهم وبيوتهم للعائلات السورية التي فرت من جحيم الظلم، شرد الأطفال والنساء والعجزة والمرضى، بلا ذنب اقترفوه سوى أنهم رفضوا الذلة والعبودية بعد أن سلبت حريتهم، وديست كرامتهم الإنسانية، حيث طلب منهم أن يكونوا أدوات ودمى راقصة مصفقة، تقول نعم فقط، بعد أن تعصب على عيونها، وتصم آذانها عن سماع أنين المظلومين المقهورين، وعليهم الرضا بقدرهم الذي أراده لهم الطغاة المفسدين في الأرض، العابثون بأرواح وأجساد المواطنين الشرفاء وكأنهم قطيع ضال هائم على وجهه، دون إعتراف لحقوقهم، والإنسان متى طلب الحياة والبقاء والحرية في ظل قدر الله فلم يجدها فإنه يثور ليثأر وينتقم من المغتصبين الذين نزعت من قلوبهم الرحمة، وأصبح القتل وسفك دم الأبرياء ملهاة وتسلية واستعلاء بعد أن أخذتهم العزة بالإثم.
استقبل الأردنيون الأنصار للحق أخوتهم السوريين وقاسموهم لقمة العيش، قدموا لهم المساكن والمساعدات النقدية والعينية، شكلوا اللجان والجمعيات لحمايتهم من الجوع والمرض والعطش، أعلن الأردن قيادة وحكومة وشعباً حالة الطوارئ لتوفير أقصى عون ومساعدة لضيوف الأردن، وطلب قائد البلاد حفظه الله من كل أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية والأهلية أن تمد يد العون الصحي والإجتماعي والنفسي والإنساني تكريماً للأخوة السوريين تأكيداً على حقهم في الحياة والحرية والعيش الكريم، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأردن إلا أنه أكد منهجية العمل الجماعي لنصرة المظلومين حتى ولو جاع الأردني وهو يقدم المساعدة لطفل أو مريض أو لعائلة منكوبة، يجد في ذلك العبادة بأبهى صورها، والرضا من أوسع أبوابه إستجابة لقوله عزوجل: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾، ولقول الرسول الكريم : ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر))..
كم يؤلمني سماع كلمة "لاجئ" لمواطن عربي أصيل أصبح في غربة عن أرضه وبيته وأقاربه، بعد أن أجبر بقوة البارود والصواريخ والمدافع على ترك ممتلكاته وأهله، بعد أن دمرت نهائياً، واحرقت مزارعه التي يعتاش منها، مما اضطر إلى النزوح والهجرة إلى البلدان المجاورة ليسلم من الأذى وبشاعة المصير الذي ينتظره، ومما زاد الأزمة السورية حدة وتعقيداً أن النظام متمسك بكرسي الرئاسة وقد غاب صوت العقل والصمير الإنساني، والإستجابة لأراء وقرارات العقلاء التي أرادت الحفاظ على البقية الباقية من البشر والحجر قبل أن تتفجر الأوضاع، وعندها تكون الجحيم التي تدمر وتحطم كل شيء، إنها الفتنة التي اطلت براسها، والظلم الذي تفشى، والريح الصرصر التي هبت على أمتنا العربية، وماذا يضير الزعماء أن يتنازلوا عن كراسي الحكم حقناً للدماء، حتى يبقى لهم في نفوس المواطنين بقية من حب وتقدير، إذا رأوا أن الشعب يطلب الحياة والحرية، خاصة وأن بعض الشعوب ضاقت المرارة والمآسي والقمع والحجر على الكلمة إلا إذا كانت في مديح وثناء الزعيم الحاكم.
الرأي: 27/07/2012
ابحث
أضف تعليقاً