wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
القيم ومستقبل الفعل العربي
الجمعة, April 10, 2009 - 01:00

- عميت أبصار الاقتصاديين السادرين في جوقة الحرية الاقتصادية وراحوا يلهثون خلف الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق.
- الدولة العبرية تبدو وكأنها تخلت بإطلاق عن واجباتها الاخلاقية والاجتماعية وتركت الأمر بين أيدي الدعاة والوعاظ.
أقصد من هذا القول إلى أن اوجه النظر إلى مسألة جوهرية ذات علاقة وطيدة بمشروع النهضة العربي، هي مسألة القيم الأخلاقية ودلالتها في شكل هذا المشروع.
وحتى يكون قولي ذا معنى، أحرص في مبدئه على أن أنبّه على أن مصطلح "مشروع النهضة" المتداول على كل الأصعدة، وفي كل الدوائر، يظل عندي مصطلحا متشابها، لأنه يفتقر إلى القصدية الجماعية المشخصة المتجسدة في فضاء سياسي موحّد، وفي جغرافية بشرية متماسكة ومتراسلة ومتواصلة، وفي طاقات ومصادر مادية مشتركة، وفي فعل موحد جامع يصدر عن (مدينة مركزية) تكون على المدى المنظور هي مبدأ الجمع والتوحيد والمبادرة والفعل والإلزام.
قد يسمح لي هذا الضرب من التفكيك بأن أختار الكلام على "الفعل العربي" أو "الأفعال" العربية كما أنه يأذن لي أن أتكلم عن "التغيّر"، و"توجيه التغير" بدلا من القول على "النهضة" ومتعلقاتها، التي أرى كما اشرت أنها مصطلح غائض الملامح والحدود، أو أنه ينبغي وضعه في حدود شخصية عيانية دقيقة.
أعتقد اليوم أن التغير هو الذي ينتظرنا، وأن الذي يتوجب علينا، كل في فضائه السياسي والبشري الخاص، هو أن يجيد توجيه التغير
الأطروحة الأولية التي أريد أن أدافع عنها في هذا القول، تتمثل في الزعم أن النظر في مسألة الفعل العربي - المقصود فعل النهضة- لن يتأتى له أي قدر من الفاعلية والنجوع إذا ما استمرت مقاربة المسألة من أبواب الايبستيمولوجيّ والسياسي والاقتصادي، واستمر إغفال الفاعل القيمي أي الأخلاقي في فعل التغيير، ويلحق بهذه المقدمة مقدمة منهجية تتمثل في الزعم أن اعتماد مبدأ الرؤية المكروسكوبية -أو الهولسيتة- للمشكلة، أي النظر المتفرد إلى المسألة من حيث هي معطى مجرد شامل تنطبق عناصره وحدوده على جميع الدوائر بتجريد شبه مطلق، سيجور جورا عظيما على المسألة برمتها، من جهة أن ذلك يغيّب تغييبا تاما الفعل المشخص للعناصر المكروسكوبية -أو الذرية- وفي حالتنا: القيمية او الاخلاقية في القضية التي لا تتخذ الاشكال والصيغ نفسها في كل المواطن.
في مقاربتهم لمشكل الترقي أو التقدم، أو النهضة، حرص مفكرو النهضة العرب الأوائل -في حدود كفايتهم المعرفية والثقافية والمنهجية- على النظر إلى معطيات عالمهم بـ (عين الجسد) أكثر مما نظروا إليها بـ (عين الروح)، أو (الإيتوس)، أعني أنهم غلّبوا إرجاع البصر في المعطيات الحسية المباشرة ولم تستغرقهم وتلفهم التجريدات الفلسفية الكبرى والمشاريع النظرية العملاقة التي انطلقت في الغالب الأعم من معطيات "قَبْلية" أرادت تحكيمها في الواقع، إذ بدت للآخذين بها السبيل المطلق النهائي للخلاص. تَمّ قبليا وضع غايات قصوى وأهداف عليا وصيغ جاهزة، وتم تطبيق مقولات بيئات وثقافات وايديولوجيات مباينة، وتَمَّ اختيار مناهج حددتها الظروف والمعطيات التي تشكلت فيها ثم أريد زرعها في أعطاف العالم العربي وثناياه بفضاءاته وثقافاته ومعطياته ومفارقاته كافة، وتطبيق هذه المناهج وتلك الرؤى والمنظومات عليها، من دون أي تمييز أو تمايز. تلك هي (الخطيئة) الكبرى التي اقترفها (المفكرون الجدد): رأى بعضهم أن المشكلة كلها تثوي في (العقل) فوجب نقده، واستُخدِمت في النقد المناهج البنيوية والتفكيكية واللسانية.. وهي كلها مشتقة من الواقع الحضاري الغربي الذي يتعذر قياس الوجه الحضاري العربي على غراره، وبهذا الاستخدام غفل هؤلاء جميعا عن قول ادوارد سعيد السديد" إن معطيات الموضوع هي التي تحدد المنهج وليس العكس".

وذهب آخرون إلى أن في مكنة السياسي إن يقدم الحل السحري فتم الجنوح إلى المفهوم القومي وتم تمثله تمثلا مجردا مثاليا رومانسيا تلفه آيات القداسة أو إلى مفهوم (الامة) المؤمنة الذي لا يقل تجريدا ومثالية وقدسية عن سابقه، أو إلى الحزب المخلص الذي أثبت اخفاقاته بجدارة عظيمة، وأفضت الأمور إلى جملة من "الأصوليات" التي احتقرت كل شيء سواها وانتهت إلى الفراغ أو إلى نظم الاستبداد والغلبة والجبروت، أو إلى الاصطدام بجدار شاهق، أما الاقتصاديون السادرون في جوقة الحرية الاقتصادية التي تخبط خبط عشواء ولا تأتمر الا بالجشع فعميت أبصارهم عن واقعهم، وراحوا يلهثون خلف الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق المنفلت في غيبه وتجاوزاته واحتقاره لمبدأ العدالة ولكل ما هو اجتماعي أو "مجتمعي" حتى انتهى حالهم إلى الازمة المالية العالمية الراهنة التي لقنتهم الدرس الذي يستحقونه.
لم يلتفت أحد في هذا كله إلى القيم والأخلاق اللهم إلا خطباء المساجد الذين تجسدت عندهم الأخلاق في أخلاق المرأة والجنس والمحرمات وما يقابلها من حدود أو عقاب.. وأذاعوا في كل مكان أن المسألة الاخلاقية والقيمية تتعلق أولا وآخرا بلباس المرأة وحشمتها وحجابها وخروجها وعلاقاتها الاجتماعية وطاعتها للرجل ولزومها لبيتها وانحصار وظيفتها في تربية الاولاد.. وبالبطبع يحوم شبح الخطيئة والكبائر والحساب النفعي للحسنات والسيئات على كل عبارة يطلقونها في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقع المفكرون الليبراليون والعلمانيون أنفسهم في شراك خطباء المساجد إذ توهموا أن الأخلاق والقيم، يضاف إليها التقاليد، مسائل مرتبطة بالفكر المحافظ وبالدين وبقضايا الجنس بالدرجة الأولى، فتجنبوا الخوض فيها، وأقصوها من نظرهم وبحوثهم احتقارا واستهانة أو طلبا للسلامة، وحين أراد صديقنا المرموق الجابري أن يتكلم عن ما أسماه العقل الاخلاقي العربي، ذهب الى الماضي البعيد، ولم ينظر الى ما بين قدميه أو أمامه أو حوله.
القيم الأخلاقية ليست بالضرورة هي قيم الدين نفسه، وليست هي بالضرورة مجرد الكلام على زي المرأة أو على المسائل الجنسية، وغير ذلك. وليست هي مجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود التعاليم (النصية). ومن وجه آخر هي على الرغم من سمتها الشخصية أو الفردية ذات تأثير حاسم على طبيعة المجتمع وحراكه وتغيره ومستقبله، لأنها معطى مركزي ومكون جوهري للحضارة، وليس ينبغي لأحد أن يقلل من شأنها أو أن يحتقرها، فقيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الانسانية والمسؤولية واحترام الشخص، والصداقة، والسلطة الابوية (ابو البطريقية )- وهي قيمة مضادة لا قيمة إيجابية- والنزاهة والاحترام والشرف والعائلة والسعادة والاحسان والطيبة والاخلاص والصدق وقيم كثيرة أخرى ليست أمورا ثانوية أو عابرة أو تافهة لا شأن للمجتمع والدولة بها. إنها في صلب وفي قلب عملية البناء والتطور والتقدم الحضاري للمجتمع. وأي تغيير في المجتمع وفي الدولة لا بد له أن يطال هذه القيم جميعا، أو أن تطاله هي. ومفكرونا الجدد لا يلقون بالا من بين هذه القيم إلا الى ما يتعلق بالغائيات السياسية لمشاريعهم، وبالطبع كان لقيمة الحرية القدر الأعظم من الاستحضار والتبجيل والتقديس وذلك بكل تأكيد خيار طيب، لكن القيم الأخرى لا تقل أهمية وخطرا، لأنها قيم بانية ومؤسسة للمجتمع والدولة، وضامن حاسم لتقدمهما ونهضتهما الحضارية.
ثمة ظاهرة عظيمة غزت العالم الحديث منذ بدايات الحداثة وعصر التنوير الغربي حتى أيامنا هذه، بدأ فيها هذا العالم مسرحا لثورة حقيقية في المجال الأخلاقي.
حتى أمكن القول إن هذه الظاهرة بتعويلها على العقل والحرية والفردانية والمنفعة، هدمت أسس النظام الأخلاقي للمجتمعات "التقليدية" التي ألفناها وجلها بعصر ما قبل الحداثة: حيث تسود نظم الدين والعائلة التقليدية والنظام الابوي (البطريقي) والسلطة الذكورية وتشييء المرأة وحجبها وعلاقات الانتاج غير العادلة وعلاقات السيد والعبد الرقّية.. الخ. ودشنت فترة "ما بعد الحداثة" قيما جديدة تدور حول "الذات" والتعدد الثقافي والاعتراف بالآخر وحقوق الانسان وغير ذلك. في خضم هذه الثورة تقدمت رايات الحرية والديمقراطية والمساواة والتقدم التقني واقتصاد السوق وتكديس الثروة المادية ونكران المقدس بالنقد والاساءة. وغاضت ملامح القيم القديمة حتى أمكن القول إن الغرب يتحول إلى "صحراء أخلاقية".
ومع ذلك لم يستسلم الغرب لهذه الثورة المدمرة وطفق كبار فلاسفته ومفكريه وسياسيه ينظرون في عواقب هذه العاصفة ويقترحون صيغا جديدة تعيد إلى الأخلاق هيبتها وقيمتها وحضورها. وعلى سبيل المثال الصارخ ارتد جون رولس على التفاوت المرعب الذي أحدثته الرأسمالية الليبرالية بين المواطنين ووضع نظريته في العدالة. وأعلى هانس يوناس من المسؤولية ووضعت معاهدة "كيوتو" لتعديل البيئة والسيطرة على مصادر العدوان عليها، وولدت الأزمة المالية العظمى الحالية فكرًا جديدًا يقضي بالتنصل من الليبرالية الجديدة والارتداد على الرأسمالية وإعادة بنائها بالدعوة الى المراقبة والضبط والتنظيم، وبضرورة اضفاء الطابع الأخلاقي على الرأسمالية حسب تعبير ساركوزي.
الثورة في المجال الأخلاقي تطال مجتمعاتنا العربية اليوم أيضًا وتزعزع قواعدها. وحدثت أزمة في القيم.. وفوضى في القيم. ذلك أن اجدادنا وحدودنا وعلاقاتنا الدولية لم تعد مأمونة أو مغلقة أو مسيجة! والفاعل ما يسمى بالثقافة الكونية Global Culture، والتدخل المباشر والتمدد الشرس للنظام العولمي في الاقتصاد والسياسة والثقافة والحرب!
أين تكمن التحولات العميقة في النظام الأخلاقي العربي؟ وأي الفئات البشرية العمرية هي التي تطالها هذه التحولات؟ وما الذي يترتب على تجذرها من أثر أو آثار في الحراك الحضاري العربي، أو إن شئنا في أي مشروع مستقبلي للنهضة، أعني للتغير السديد!
التحول الأول في الدين. فبعد أن كان الخطاب الديني قديمًا وفي عصر محمد عبده وتلامذته خطابًا نقديًا دعويًا رحيمًا، أصبح مع حسن البنا وأصحابه خطابًا "شموليًا", ثم حولت الارتكاسة، أو رد الفعل الديني قبالة التمدد والهيمنة والتسيد الغربي, "الرسالة الاسلامية" إلى أيديولوجيا سياسية راديكالية تطلب الدنيا والمُلك وتناصب المجتمع المخالف، المجتمع الجاهلي, المجتمع الأهلي، والعالم الخارجي، الخصام والعداء والمقاتلة.. وتشكلت لدين الاسلام في الفضاء الكوني الصورة السلبية الطاردة التي نعلمها. كان لهذه الاطروحة نقيضها وفيلم ايان حرسي وثيو فان غوغ واعمال "نسويات الرفض الاسلامي" الذي تمثل في نقد المقدس وخرقه والإساءة إليه. لا في المجال الخارجي فقط في الرسوم الدنماركية، وإنما في باطن الفضاءات العربية والاسلامية نفسها, وبخاصة في الاجتهادات الفكرية وفي عالم الابداع الأدبي الحر، فضلاً عن التصريحات والمياومات غير الموثقة التي نتبيّنها في مظاهر ووقائع ومناسبات كثيرة، وعلينا أن نضيف أيضا طبيعة الحال الليبرالي والعلماني. ومع ذلك فإن علينا أن ننبه هنا إلى أن نزعة "نقد المقدس الديني" يقابلها أيضًا في الفضاءات العربية الاسلامية "تقدم للظاهرة الدينية" يتمثل بالدرجة الأولى في اتساع دائرة "الحجاب" في الفضاء النسائي وإن أمكن القول إن ذلك يمكن أن يرتد أيضا إلى أسباب اقتصادية لا علاقة حتمية لها بالتقوى أو التدين الخالص أو لأسباب راجعة الى استمرار القوة البطريقية في المجتمع، كما يتمثل هذا التقدم في إقدام شريحة من الشباب على التعلق بمنظور عملي متصلب لرسالة الاسلام المحلية والكونية. وهكذا فإن الذي يظهر هو نجوم تساوق بين تقدم الظاهرة الدينية، وبين تقدم الظاهرة الدنيوية أيضاً. ومن الطبيعي أن يترتب على ذلك أعراض اختلاف أو افتراق أو انفصال في بنية المجتمع، تعيق تغيره أو نهضته- بشكل ناجح رحيم.
لا أحد اليوم في مختلف الفضاءات العربية ينكر تزعزع النظام التقليدي للعائلة. والأسباب كثيرة: التفاوت بين معارف وخبرات وتطلعات الاجيال الجديدة، وبين قيم العائلة التقليدية، انهيار فضيلة "الاحترام" للعائلة وللأب، البحث عن متكآت فردية خارج نظام الأسرة النووية أو الممتدة، عجز العائلة عن الاستجابة لمطالب الأبناء المستجدة، وبخاصة مع اتساع مساحة "البطالة" وتقلص دائرة الفرص في العمل واتجاه الأبناء إلى الانفصال عن الأسرة الاصيلة وطلب الهجرة أملاً في مستقبل مادي واعد.. ازدياد حالات الطلاق واستخدام قانون "الخُلع" على نحو متعاظم.. وتفاقم ظاهرة الزواج المدني في بعض الأقطار العربية وانتشار عدواها شيئًا فشيئا في الاقطار الاخرى..وبروز ظاهرة المثلية الجنسية بروزا سافرا.. وتفاقم ظاهرة "جرائم الشرف" في بعض الاقطار.. واغتصاب المحارم والأطفال ايضا.. لا شك في أن المقدسات الاجتماعية التقليدية مضطربة وتنهار تحت معاول الفردانية والنفعية واغراءات الحرية، وأنها في قطاعات واسعة تتجه نحو أشكال "هجينة" من العادات والتقاليد المنبعثة من بثور الحضارة الغربية، لكن ايضا المتولدة من الغياب الكامل للشفافية الاجتماعية -الأخلاقية وفوضى القيم وغياب أي نظام دفاع اجتماعي أخلاقي لحماية المجتمع وأفراده يطال اليوم المرأة إذ من المؤكد أن مجال الحرية لها قد اتسع اتساعا عظيما، فهي لم تعد سجينة الزوج أو الأب أو الأخ أو العم، أي أن الحالة الذكورية التي ربطت المرأة دوماً بالرجل قد أصيبت في الصميم..
فهي حاضرة حضورا شخصيا في كل الميادين العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادبية والفنية. وهي تستخدم حريتها إلى حدود بعيدة في كثير من الأحيان.. أي أنها تسير على الطريق نفسها التي سارت عليها المرأة الغربية من عصر الحداثة إلى أيامنا هذه. كل ذلك تمتد آثاره الى "الفعل النهضوي" أو فعل التغيير.
على أن أخطر الآثار التي ستطال هذا الفعل يقع في ظني في الفئة العمرية التي ينتمي إليها "الشباب". وإلى هذه الفئة بالدرجة الأولى اتجه مشروع التغيير الذي شرع فيه "الليبراليون الجدد" أو المحافظون الجدد إبان السنوات التي كان فيها الجمهوريون سادة "البيت الأبيض" وسادة الثقافة الكونية والعولمة. وما قام به هؤلاء ما يزال مستمرا حتى الآن ومعظم المجالات العربية السياسية والاجتماعية ما تزال آخذة بهذا المشروع الذي جعل من قيمتي الحرية والديمقراطية حصان طروادة المؤهل لتحديث العالم العربي ونظمه ومؤسساته، لكنها تنفذه في وجهيه الاخلاقي والاجتماعي لا في اي وجه آخر وبخاصة السياسي. وليس يغيب عن كل ذي بصر وبصيرة أن الحملة "الأخلاقية" الشرسة وفي التعبير مفارقة- التي تتعهدها القنوات الفضائية العربية "المتحللة" أو "المحلِّلة" التي تمولها قوى خارجية وداخلية، وبخاصة تلك التي تقوم عليها الرساميل الضخمة لبعض أمراء وأثرياء "الخليج" وترفدها الميزانية الخاصة التي وضعتها ادارة المحافظين الأميركية.. هذه الحملة موجهة بالدرجة الأولى إلى فئة الشباب.. وهي في حقيقة الأمر وفي تعويلها على تربية الشباب على ثقافة المتعة وعدم الاكتراث، وفي الحالات "البريئة" على الأنشطة الرياضية فحسب تؤتي ثمارها، إذ أننا نشهد تغيّرا عظيما عند أفراد هذه الفئة واتجاها إلى طلب قيم اللذة والمتعة والمنفعة والمغامرة والانحراف والهجرة إلى خارج بلدانهم، والتحلل من كل القيم الأخلاقية السامية التي بشرت بها الفلسفات الأخلاقية السامية والقيمة الدينية والروحية العليا. والهجرة أخطر المقاصد التي يطلبها هؤلاء الشباب.
ويعزز من مشاريع الهجرة ضيق الآفاق الاقتصادية، وعدم توافر الوظائف أو بتوافر بعضها بشروط محفوفة بالذل والمهانة، ومكافآت الحد الادنى التي لا تكاد تنفع في شيء ولا تغني من جوع... اللهم سوى توليد الغضب والإحباط والتمرد أو البحث عن طرق غير نبيلة، أو "غير أخلاقية" لكسب العيش أو للإثراء غير المشروع. أما الوازع الأخلاقي أو الديني أو الوطني فغائب أو مغيب. ويتعلق بالحالة "الشبابية" النظرة عندهم إلى العلاقات الجنسية وبناء العائلة. فمع اتساع مجال الحرية والتواصل باتت هذه العلاقات أيسر وأعظم تناولا... ومع تفاقم الأحوال الاقتصادية وانعدام فرص العمل الحقيقية، تم اللجوء إلى هذه العلاقات والعزوف عن بناء النواة العائلية.
في أتون هذا المشهد الكارثي -وأنا لم أقف إلا عند بعض لهيبه- تبدأ الأهداف والغايات العليا التي تنشدها قصدية التغيير والنهضة ضائعة أو شاردة أو غائضة الملامح: الوحدة، العدالة، والحرية، القوة والمنعة، الاستقلال السياسي، الرفاهية الفعل التكافلي الشامل، المسؤولية النزاهة، الخير العام، الكرامة الانسانية.
كل ذلك يبدو مصابا مثلوما... ويفاقم من الوضع أن (الدولة العربية) تبدو وكأنها تخلت بإطلاق عن واجباتها الاخلاقية والاجتماعية، وتركت الأمر بين أيدي الدعاة والوعاظ وخطباء المساجد وهيئات الإغاثة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجمعيات الخيرية والأحزاب... اعتقادا منها بأن ذلك لا يقع شيء منه على عاتق الدولة، فكانت بتخليها واحتقارها أكثر ليبرالية من أعتى النظم الليبرالية الجديدة! أما المثقفون الليبراليون والعلمانيون فما يزالون يشعرون بالحرج والخجل من مقاربة "المسألة الاخلاقية"..
الحديث يطول.. وهو ذو شجون.. وإذا كان علي أن أنتهي بهذا القول إلى ما يشبه أن يكون فراغا، فإنني أقول إنه إذا ما ظلت الأمور سائرة على هذه الأحوال، فإن النهضة القابلة ستسير في اتجاهات مغايرة تماما لأحلامنا الوطنية ومقاصدنا القومية "الاجتماعية والاخلاقية". نحن مهددون بأن تستغرقنا الثقافة الكونية للحضارة الغربية... وبأن تستغرق بشكل خاص عقول شبابنا وأحلامهم وطموحاتهم وليكن دوما منا على بال أنه يقع على عواتقهم، لا على عاتق أجيالنا نحن الآيلة إلى الانقراض مهمة الاعداد للمستقبل وبناء المستقبل... نحن مهددون بأن نجرد من المقومات الحضارية والأخلاقية البانية، وبأن ندخل في التيه... ولن يبقى إلا الدولة الاستبدادية وكتلة الممانعة الدينية - السياسية التي تتمثل نظاما اخلاقيا مطلقا ومضادا للتقدم وتجذر نظاما للدين معززا للصدام والانفصال في الفضارءت المحلية ومولدا للكراهية والنفور من دين الاسلام في الفضاءات الكونية.
إن إعادة بناء القيم الأخلاقية المعززة لفعل حضاري ناجع ومجدٍ تصبح قبالة هذه الأوضاع أمرا مطلقا بحسب التعبير الكانتي، أي واجبا مطلقا، وكما قلت ليس القصد أخلاق "الصغائر والكبائر" الدينية، وإنما القيم الكبرى البانية للحضارة. نحن نحتاج إلى بناء نظرية عربية شاملة في العدالة، وأخرى في الحرية، وثالثة في المسؤولية، ورابعة في الالتزام والاكتراث، وخامسة في المنفعة والمصلحة وغير ذلك.
وبدلا من أن نبحث عن عناصر هذه القيم في الموروث الفلسفي والحضاري الغربي، علينا أن نصوب أنظارنا قبل كل شيء نحو واقعنا المباشر الحي المشخص لا سواه. وبالطبع تقع هذه المهمة على العصبة الجادة من المشتغلين في العلوم الانسانية والاجتماعية. ومن المؤكد أن ذلك سيساعد في عبور الأزمة الحضارية العربية التي طال أمدها وفقدت بوصلتها.
أخيرا قد يذهب بعضنا إلى الاعتقاد -في ضوء وقائع المرحلة الراهنة- أن الأزمة المالية التي عصفت بالغرب والتي ترجع بالدرجة الأولى إلى الممارسات الشرسة اللاأخلاقية، المجافية للعدالة والمتمرسة في غائيات الجشع والنفعية الشرسة والفردانية الطاغية التي لا ضابط لها ولا رادع ولا رقيب، والتي تجسد طبيعة النظام الرأسمالي في شكله الليبرالي الجديد... أقول قد يذهب بعضنا إلى الاعتقاد بأن هذه الأزمة تعني اهتزاز المركز الحضاري الغربي، وأن تداعيات هذه الازمة يمكن أن تمثل للعرب فرصا حقيقية تمكنهم من التقدم بما يمكن أن يسمى (مشروع النهضة العربي الاسلامي) في اتجاهات "السيادة الحضارية" والحلول محل الحضارة الغربية! يؤسفني جدا أن أقول إن هذا وهم كبير وإن ذلك قد يكون من قبيل "الانتهازية الاخلاقية"، أو المراوغة السياسية، فضلا عن أن هذا التعبير "السيادة الحضارية" هو أحد التعابير الاستفزازية والمستفرة للغرب التي لا نفع فيها ولا فائدة، ومن شأنها ان تعزز "الرهاب الاسلامي" (الاسلاموفويا)، وترفع وتيرة الصراع والكراهية. أنا لست أبدا واحدا من المعجبين بالشيخ يوسف القرضاوي، ولا بقناته المدللة (الجزيرة)، لكنني سمعته ورأيته بأم عيني يصرح في هذه القناة لمحاوره الذي كان يسأله عن احتمالات انهيار الغرب بسبب هذه الازمة، ويرجو منه رأيا يطمئنه إلى انهيار قادم سمعته يقول ما فحواه إن النظام الرأسمالي نظام ذكي، وانه قادر على اصلاح عثراته وتجاوز صعوباته وحل مشكلاته الاقتصادية والمالية وغير ذلك!
اعترف بأن صاحب مقولة "الاسلام هو الحل" فاجأني به وأذهلني... لا لأنه بدّل رأيه القديم، ولكن لأنه أصاب في القول... ولعل له في ذلك أسبابه الخاصة! تلك حقيقة مؤكدة... وهي أن العقل الغربي منذ عصر التنوير والحداثة دأب على مراجعة منجزاته ونقدها وتجاوزها وهو يفعل ذلك اليوم.
ونحن جميعا نشهد هذه الجهود الضخمة التي يقوم بها قادة الغرب في الولايات المتحدة الاتحاد الاوروبي و(مجموعة العشرين) من طلب تدارك الامور وردها الى حدود العدل والامن والسلامة. والرأي المؤكد هو أن هذه الأزمة لن تجهز على النظام الحضاري الغربي. أما إذا كان لمهاترات (الاتجاه المعاكس) وأشباهه أو لبعض اقتصاديينا الحالمين- وبخاصة اقتصاديي البنوك الاسلامية رأي آخر، فذلك شأنهم.
وفي المقابل لست أدري اين هي القوة العربية الاسلامية التي تحمل "المشروع النهضوي الحضاري" القادر على احتلال مكانة الغرب وقواعده الاقتصادية والسياسية والثقافية والتقنية والعسكرية- إن تلك هي مقومات الحضارة القوية والتي يمكن أن تحقق "السيادة الحضارية" والتنافس الحضاري العالمي! هذا الامكان غير ممكن لا على المدى المنظور، ولا على المدى غير المنظور! قبل أن يحدث ما يوهم بذلك بحق علينا ان نتأمل جيدا ما بين اقدامنا وما يكتنفنا... أشياء كثيرة وكثيرة ينبغي أن تتغير... وبعمق غير متناه... في عقلنا وفي فعلنا، وفي مجمل حياتنا المعرفية والسياسية والاجتماعية والتنموية والقيمية، لأنه فعلا (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)... هذه الآية عظيمة فذة... لأنها على الاقل تطالبنا بأن نحرر انفسنا من (الميثي) والأسطوري، وأن نحتكم إلى العقل والواقع.
وخاتمة القول هي أنه إذا لم يتم رد أزمة القيم إلى أطر تتجدد فيها القيم الاسلامية الكبرى الموجهة للفرد والمجتمع والدولة، وإذا لم يتم ضبط الفوضى التي تتلبس القيم وتُرَدّ الى حدود الوضوح والشفافية والدقة والصرامة والالتزام...، فإن التغير القادم سيكون شاملا عميقا وسيأخذ بنا في طرق مسدودة وغير سالكة. نص المحاضرة التي ألقاها المفكر فهمي جدعان في مركز دراسات الشرق الأوسط أول من أمس

 

منقول عن جريدة الغد
10/4/2009

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.