
العنف له أسباب واضحة، وأخرى مخفية، وهو ليس حكرا على فكر، أو دين، أو قومية، فهو موجود في قواميس الأمم كلها، مع اختلاف في الأشكال، أو الدرجة، ولكن ما يعنينا هنا هو العنف الموجود بيننا، والمتعلق بالخطاب الإسلامي.
يعج الخطاب الإسلامي بالمفردات التي في مظهرها تدعو للعنف، ولعل لذلك أسباباً كثيرة، لها علاقة ببداية نشأة الدعوة الإسلامية، ثمّ دخولها مرحلة محاولة الاستئصال من قبل قريش، وبعدها الهجرة، والغزوات التي جرت، ثمّ دخول الدّولة الإسلامية مرحلة النزاعات الداخلية الّتي استمرت حتى بدايات القرن العشرين حينما أسقطت الخلافة الإسلامية.
إضافة إلى ذلك، فإن التّربية الإسلامية التي يتطرف البعض في إعطائها للأطفال منذ الصغر والتي تخطئ، أو تكفر الآخرين، ولا تعترف بالأفكار الأخرى، وتعدها خاطئة تشجع على العنف، وتجعله الوسيلة الأقرب في حالة حصول أي خلاف بسبب العقيدة، أو الدين.
وقد تحدثت في مقال سابق عن طريقة التعاطي مع السّيرة النبوية، بل والتاريخ الإسلامي، والتركيز على الغزوات والحروب، ممّا أدّى إلى عسكرة الفكر الإسلامي، ناهيك عن التّربية المثالية في بعض الأحيان، والّتي تؤدي بالإنسان إلى التطرف، وعدم التعامل بواقعية مع الأمور المحيطة به.
ومن خلال تحليل الخطاب الإسلامي الشفوي، نلاحظ ورود كثير من المصطلحات العنيفة، خاصة في الفئات الاجتماعية الأقل تعليماً، والغريب أن معظم الجماعات الإسلامية لم تجنج للخيار الديمقراطي للآن، رغم ان أكبر جماعة إسلامية، الاخوان المسلمين مارست السياسة، ودخلت العمليّة الديقراطية، رغم أن اعداءها يقولون انها تتعامل مع الديمقراطية كطريق للوصول إلى الحكم، وهذا ما تنفيه الجماعة التي تلجأ في بعض الدّول إلى إنشاء ذراع سياسي، ينحو نحو المدنية في التعامل مع قضايا السياسة، والديمقراطية.
وعلى كل فهناك بعض الأفكار الّتي يمكن ان تسهم في تقليل العنف في المجتمعات الإسلامية، من خلال إعادة صياغة الخطاب الإسلامي.
أولاً: التوازن في التّربية بحيث تكون واقعية بعيداً عن المثالية الزائدة، ومن الجميل إظهار الإنسان بمظهره
الحقيقي، فهو يصيب ويخطئ، وقد يرتكب المحرمات، ويتوب، ورغم وجود هذا الأمر في الخطاب الإسلامي، من خلال بعض القصص، والأحاديث، ولكنّه في حال الواقع غير مطبق، ويكفي ان يقع أي إنسان في خطأ ظاهر، ليتم شطبه من قبل الآخرين، واعتباره خرج عن المسار الذي لا يمكن العودة إليه.
ثانياً: تأهيل أئمة المساجد، والعلماء ليتعاملوا مع المجتمع بطريقة عصرية، ومن الرّائع في هذا السياق إعطاؤهم دورات في طريقة التعامل الإعلامي مع الآخرين، والتعامل معهم كوسيلة إعلامية، ليتأهلوا على هذا الأساس، مع الدعوة لتحسين اوضاعهم المعيشية، واحترامهم من الجميع ابتداء من أجهزة الدّولة، وانتهاء بالناس العاديين، ووسائل الإعلام.
ثالثاً: تطوير مناهج مراكز تحفيظ القرآن الكريم، لتشمل بعض المهارات التي يحتاجها الأطفال والشباب، ومنها تقبل الآخر، كقيمة عظيمة، وإعادة الاعتبار للمسلم الدّاعية صاحب الرّسالة الذي يعامل النّاس الآخرين على انهم احبة له، يسعى لايصال رسالته لهم، وليسوا كاعداء، وكفرة، وخاطئين.
رابعاً: تأهيل أصحاب الأفكار الأخرى ليتقبلوا الإسلاميين، والا يتعاملوا معهم بمكيالين، فالديمقراطية حق للجميع، والجميع لهم الحق في التعبير عن أنفسهم، ضمن الحدود المعقولة، ومن الضروري إزالة هاجس الخوف من الإسلاميين من عقول الجميع، مع اعترافي ان الجهد الأكبر المطلوب سيكون من الإسلاميين أنفسهم كي يقدموا المزيد ممّا يثبت انهم يتقبلون الآخرين، ويتعاملون معهم ضمن حدود المعادلة الديمقراطية.
خامساً: إشاعة قيم الديمقراطية والعدالة، والحرية، والشفافية في المجتمع كله، وهذا يجعل المجتمع حاضنة، ومشجعة للتسامح، والتعايش.
سادساً: إعادة النظر في مناهج التّربية الدينية في المدارس، وتغيير طريقة التعامل معها، لتركز على السّلوك أكثر من الحفظ، ولي في هذا مقال تفصيلي - بإذن الله- .
على كل، العنف موجود عند الجميع، ويكفي إلقاء نظرة على طريقة تعامل الغرب مع الدّول التي يقومون بغزوها، فهم لا يختلفون عن الآخرين من حيث استعمال العنف، والتعذيب، والتنكيل بالآخرين، وهذا لا يعني انه يعطينا مبررا للعنف، فنحن أصحاب رسالة يجب ان نكون أفضل من الآخرين، ولا يمكن ان تستقيم الحياة من دون احترام حقوق الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن دينه، أو أصله، أو فكره، ومن الرّائع ان نبتعد عن استخدام العنف، وان نوقف التحريض على الآخرين، لينطلق مجتمعنا نحو التطور، والتقدم.
الغد:23/6/2011
محمود أبو فروة الرجبي
ابحث
أضف تعليقاً