wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
العنف المجتمعي وإعادة تعظيم القيم
الجمعة, November 26, 2010 - 01:15

الحديث عن الظواهر الاجتماعية يأخذ منحى علميا حين تصبح الظاهرة عامة ومتكررة وليست فردية منعزلة، ونحن اليوم نقف أمام حالة صعبة التوصيف ومتشابكة الأسباب، بل متداخلة الاتجاهات، فقد لاحظنا في السنوات الأخيرة انتشار ظاهرة العنف المجتمعي، كما أنها تزداد يوما بعد يوم، ولم نلمس حلولا فاعلة في المدى المنظور، وقد يبدو من المفيد في هذا المضمار الالتفات إلى القيم الإنسانية التي تختزن في جوهرها إنجازات الإنسانية على مر العصور، وهي كذلك الثمرات والجهود الإنسانية بصراعاتها ونجاحاتها وتناقضاتها ومصالحاتها، ويرى العلماء أن العنف يعد مؤشرا على الانهيار الخطير الذي يشهده الواقع، وهو كذلك تعبير عن خلل في بناء المجتمع، على جميع المستويات؛ النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وأنا هنا سوف أشير إلى الجانب القيمي في تحليل الظاهرة، دون أن أستبعد أهمية الجوانب الأخرى في التحليل، ذلك أنني أرى أن مفهوم القيم لا يعني السلوك الفردي فقط، والحث على القيم الفضلى للأفراد، بل أعني به القيم كافة التي يمارسها المجتمع، بكل مستوياته؛ الشعبية والرسمية، المواطن والحكومة، المؤسسات الحكومية والخاصة، فكلها تشكل منظومة القيم التي تحكم سلوك المجتمع بأفراده ومسؤوليه، فعندما تضطرب القيم لدى أي مجتمع من المجتمعات، تصبح الفوضى والعبثية هما السائدتان، ويشعر الإنسان بالتهديد في نفسه وعرضه وماله، والأسباب عديدة ومختلفة؛ في مقدمتها انتشار الظلم وغياب العدل وتهميش العقل والمنطق، فضلاً عما يترتب على ذلك من فساد الخلق والضمير، وهنا أشير إلى قوله تعالى في سورة الحج "وكم من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد"، والخواء كما أراه هو فقدان الهدف والتخبط وضياع القيم الروحية وانتشار الفوضى وتعطيل الإبداع وتبني الخراب، وكل ذلك نتيجة الظلم، عندما يصبح ظاهرة عامة، ولا تجد من يقف في وجهه أو يردعه.
وأنا أعتقد أننا قد دخلنا في مراحل متقدمة من بوابات الظلم بكل أنواعه، وأننا بذلك قد فقدنا توازن القيم المعنوية، التي تسند بناء المجتمع، وتدفعه نحو البناء والتطور، وصار الفرد يشعر بالتهديد الدائم على نفسه وهويته بل ووجوده وكيانه، وهذا الشعور بالتهديد يجعل الفرد غير قادر على معرفة أولوياته، ويفقد مرجعياته، وتتهمش قيمه بكل ما فيها، وبكل أنواعها، وإذا نظرنا إلى حالنا سنجد أن هناك فقدانا للقيم، وإن كانت غير ظاهرة وغير معلنة، إلا أنها تظهر في الحالات غير الطبيعية عندما يتعرض الإنسان لأقل مشكلة، فلا يستطيع ولا يملك القدرة على التفكير الصحيح في اللحظة المناسبة، لأن محركاته الداخلية مشوهة ومضطربة، فإذا أخذنا مثلا القيم الثقافية وأمعنا النظر فيها سنجد أنها –إن كانت موجودة أصلا- غير قادرة على بناء التوازن المطلوب للنفس وتربيتها، لأن طبيعة الثقافة في أي مجتمع هي التي تحدد إلى حد بعيد صور العنف، فإذا كانت الثقافة عنيفة، يتحول الإنسان إلى أداة للأذى بكل أصنافه وأشكاله، وتتحول اليد إلى أداة لممارسة القتل والتدمير وكل أشكال العنف المادي، أما إذا كانت الثقافة تختزن مفاهيم الرفق والعفو والتسامح والتعايش، فإن ذلك يؤدي إلى تحقيق السلم النفسي والتوازن الاجتماعي، ولو قدر لأحدنا أن يستمع إلى ما يبث في الإذاعات من أغان وفي الصباح الباكر، لهاله ما يسمع، فكلها تدعو إلى الهجوم والكر والفر وقلع العيون وقطع الأيدي والألسن والموت الأحمر ونفي الآخر، أليست تلك ثقافة منتجة للعنف والتدمير؟
أما في المجال الاقتصادي، فهناك فقدان القيم على مستويين؛ مستوى تحويل كل موجودات الوطن إلى سلع يمكن التجارة بها، وحساب قيمتها بالربح والخسارة، فكل شيء قابل للبيع حتى الممتلكات العامة، وأراضي الدولة والغابات والشواطئ والمرافق العامة، مما يعني أن المواطن يصبح مسكونا بالخوف من المستقبل، كما أنه يحاول كسب ما تطاله يده وما تصل إليه حتى لو كانت من الأموال العامة، وتصبح قيم الأمانة والحفاظ على المال العام أثرا بعد عين، وفي المستوى الآخر، فإننا نلاحظ وبسهولة ما حدث خلال السنوات الأخيرة من إخفاقات التنمية والتفاوت الكبير في مستويات المعيشة بين الناس، والبطالة وتدني مستويات الحياة، فالتدهور الاقتصادي يقود إلى تصدعات اجتماعية خطيرة، والمجتمعات المهمشة التي تعيش الضنك في كل مراحل حياتها، هي مجتمعات مريضة، لأنها لا تحيا حياة طبيعية، فيضطرب السلوك وتنشأ الأزمات دون سابق إنذار وعلى أتفه الأسباب، وذلك تعبيرا عن حالة مرفوضة لكن غير مسموح الحديث عنها، فهناك فساد واعتداء على المال العام وسطو على حقوق الناس، وهم غير قادرين على الدفاع عنه، مما يزيد من حالة الاحتقان الذي يظهر على شكل عنف ضد الآخر، وممارسة كل أنواع الظلم الذي يستبطنه الفرد من الظلم الواقع عليه، ويستخدم الظلم وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية أو الحصول على المنافع والمكاسب الأنانية عن طريق التزلف لأصحاب السلطة والجاه، الذين بأيديهم العطايا والمكارم والهبات، فتحولت معيشة الإنسان –التي من المفترض أن تكون حقا مكتسبا- إلى مكارم يحددها مقدار رضا المسؤول، كما تحولت المناصب والمواقع الإدارية العليا إلى جوائز يحصل عليها المقربون دون نظر إلى عنصر الكفاءة والقدرة والتنافس الحر والشريف، وكل ذلك يدفع إلى بروز مظاهر النفاق والكذب وزيف الولاء للحفاظ على المكاسب المربوطة بيد المسؤول.
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في الأسباب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تدفع الإنسان إلى تبني خيارات التعصب والهروب إلى الخلف، واستخدام العنف في علاقاته مع الآخرين، من وجهة نظر قيمية، تعاين تغير القيم والسلوك في المجتمع، في ظل غياب متطلبات العدالة في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال بناء حياة سياسية جديدة وديموقراطية، مبنية على قيم سياسية منفتحة ومتسامحة ونزيهة، تسمح لجميع القوى والتيارات بممارسة حقوقها والمشاركة الجادة والنوعية في البناء والتطوير، وإعادة النظر في منتجنا الثقافي وطرق تعليمنا وتربيتنا في مدارسنا وجامعاتنا، لتنطلق كلها من رسالة القيم الإنسانية العليا التي تحفز الفرد وتعظم من مفاهيمه المعنوية تجاه المجتمع والوطن والولاء لمجموع الأمة، والابتعاد عن الزيف في الولاء للأشخاص، ليكون قادرا على تحديد اتجاهاته بحرية واستقامة، كما يقول تعالى: "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويا على صراط مستقيم"؟.

منقول عن الغد
بتاريخ:26/11/2010

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.