wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
السيد مازن الساكت

الورقة النقاشية السادسة

                                                                                                                                                مازن الساكت

 

لابُدّ أن نبدأ بالقول، بأن الأرواق النقاشية الملكية بمجموعها، تشكل قاعدةً لوضع مبادئ وتوجهات لخطاب ورؤية وطنية أردنية لمسيرة الإصلاح والتقدم، والتطوير الذي نسعى إلى تعزيز منجزاته، على طريق بناء دولة سيادة القانون، ونظام سياسي ديمقراطي، ومجتمع مدني.

وهي فرصة فريدة لنا، أوجدها نهج ملكي يطلب من شعبه، ومن كل مؤسسات الدولة والمجتمع، المشاركة في وضع خارطة طريق، وعقد اجتماعي جديد للأردن ودولته المعاصرة.

وهي حالة ونموذج، يحق لنا أن نفخر به ونقدمه للمنطقة باعتزاز، شريطة أن نبني هذا النموذج بوعينا وفهمنا المشترك، وبممارستنا وسلوكنا أفرادًا ومؤسسات، مجتمعًا وسلطات.

من هذا الفهم؛ أرى أن مناقشة الورقة الملكية السادسة، تستند إلى التأكيد على المبادئ والمفاهيم التي طرحتها، والآليات والسلوكيات التي وضعتها لتطبيقها.

فمحور الوصول إلى الأهداف التي مثلتها تلك المفاهيم والأسس، هو مبدأ سيادة القانون، الذي تضعه الورقة كأساس للعدالة والمساواة، وأساس لحماية الحقوق، وأساس لمنع تحول الانتماءات الفرعية، في حالة الإضرار بوحدة المجتمع، وصولًا إلى تطبيق مبدأ سيادة القانون، الذي هو أساس الدولة الحديثة.

ولابُدّ أن نشير هنا؛ إلى أن الورقة تشخّص عددًا من الظواهر السلبية، التي بنتائجها تضعف تطبيق مبدأ سيادة القانون، كظاهرة الوساطة، والمحسوبية، والتعدي على الحقوق، والفساد، وإضعاف الانتماء الوطني، لصالح الروابط الجهوية، والطائفية، والقبلية، والعائلية، خاصةً لدى الشباب والأجيال الجديدة، وتطرح الورقة سبل التعامل مع تلك التحديات، وأهمية التقييم، والمساءلة على كافة المستويات.

ولكننا في هذه المداخلة، سنكتفي بمناقشة أحد أبرز محاور الورقة وموضوعاتها، وهو الدولة المدنية، التي وضعت الورقة تعريفًا لها، وطرحت مفهومًا لها، وهو الأمر الذي يكتسب أهميةً خاصة، في ظل الحوارات التي شهدتها الطروحات الفكرية والسياسية في السنوات الأخيرة، والتبني العام لهذا الشعار من قبل أغلب القوى والاتجاهات السياسية، والخلافات حول تلك الطروحات ومفاهيمها، وجديتها وحقيقة تجسيدها للدولة المدنية، وعلاقتها بالدين والمواطنة والتعددية.

وبرأيي؛ أن الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك، قد أسهمت في بلورة فهم تعريف علمي وموضوعي للدولة المدنية، التي نسعى لإنجاز بنائها في الأردن.

إنّ دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين، وتطبقها على الجميع دون محاباة، هي دولة المؤسسات، التي تعتمد على نظام الفصل بين السلطات، وهي السلام، والتسامح، والعيش المشترك، باحترامها للتعددية واحترام الرأي الآخر. هي دولة تحافظ على الأفراد والمجتمع، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والفكرية، دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات، ويتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة تكفل الحرية الدينية، وتكرّس التسامح والمحبة والاحترام، دولة تحفظ حقوق المرأة، كما تحفظ حقوق الأقليات.

بهذه المحددات والمبادى، عرفت الورقة النقاشية السادسة الدولة المدنية، كما حرصت على التأكيد بأن الدولة المدنية ليست مرادفًا للدولة العلمانية، فالدين في الدولة الحديثة، هو أساس منظومة القيم والأخلاق المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من الدستور الذي يقول، بأن دين الدولة هو الإسلام.

وانطلاقًا من هذا التعريف للدولة المدنية ومفهومها؛ فإنّ أمامنا كما باقي مواضيع هذه الورقة وباقي الأوراق النقاشية الملكية، مهمة الوصول من خلال الحوار إلى موقف وفهم مشترك وخطاب وطني، وخارطة طريق للوصول إلى ترجمة هذه المبادئ والمواقف والأهداف إلى ممارسة عملية، وبناء نموذج الدولة الأردنية المدنية المعاصرة.

 

بدايةً: فإن الأسئلة المطروحة حول محددات الدولة المدنية وتعريفها، هي عن أي دستور وقانون ونظام سياسي نتحدث؟.. ثم عن أي شكل من العلاقات نتحدث بين الفرد والمجتمع، وبينهما وبين السلطات؟.. وعن أي حقوق وواجبات؟.. وهل يكفي أن نمتلك دستورًا وقوانين تنص على الفصل بين السلطات والحريات، والتعددية والمساواة، والعدالة واحترام الرأي؛ لإنجاز بناء دولة مدنية، ودولة سيادة قانون ودولة مواطنة؟..

إنني أعتقد أن تلك العناوين التي تحتاج إلى نقاش معمق، وإلى وضع ثوابت وطنية حولها، وإلى وضع وتنفيذ برامج الإصلاح والتطوير، التي تمكننا من جعلها واقعًا، يجسّد دولةً ديمقراطية ومجتمعًا مدني.

وبغض النظر عن وجهات النظر أو الحاجة إلى تطوير التشريعات، أعتقد أننا نمتلك أساسًا متينًا، دستوريًّا وقانونيًّا لدولة مدنية، يحتاج إلى التطبيق الكامل والعادل لها، ومقاومة ومنع التعدي عليها والخروج عنها، وتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة، ليشمل كل المؤسسات والمواقع والمستويات في السلطات، لتطبيق مبدأ سيادة القانون، تطبيقه بنزاهة وعدالة ومساواة.

وأعتقد جازمًا، أن الطريق الرئيسي والأداة المركزية التي تستطيع فيها الإرداة الشعبية المساهمة في تحقيق الالتزام بعدالة القانون، وتطبيقه بنزاهة وحيادية، يتمثل في إفراز وامتلاك مجلس النواب لسلطة تشريعية تمارس مهمة وأدوار التشريع، والرقابة، والمساءلة للسلطة التنفيذية، وهي مهمة وضرورة يدركها الجميع، وتحتاج من الواقع المجتمعي والشعبي عملًا ونضالًا دؤوبًا، ليصبح واقع التمثيل النيابي وأساسه، هو بناء الأدوات والأطر السياسية، التي تمثل الاتجاهات الرئيسية في المجتمع.

ورغم تركز الحوارات في الأواسط الشعبية والمؤسسات المدنية على مسؤولية السلطات، والإدارة العامة الرئيسة على ضعف سيادة القانون، وضعف العدالة، وضعف المساواة، وتكافئ الفرص، والتضييق على الحريات، ومقاومة التغيير في كثير من الأحيان، فإنني أعتقد أن المسؤولية الشعبية والمجتمعية هي المسؤولية الأولى، ليس من باب التقليل من مسؤولية السلطات والإدارة العامة، ولا دفاعًا عن ممارستها، ولكن من حقيقة أن الإصلاح والتطوير، وبناء التقدم، هو عملية تطويرية تراكمية ثقافية، واجتماعية وسياسية، واقتصادية عميقة، وشاملة.

إن تطوير الثقافة المجتمعية، وبناء الانتماء الموحد للشخصية الوطنية الأردنية، واعتماد الأطر والمؤسسات السياسية والمدنية لتمثيل المصالح والدفاع عنها، ومع احترام الانتماءات الجهوية والدينية والطائفية، والعرقية والقبلية كمكونات اجتماعية، فإن هذا الانتماء والاحترام، يجب أن يبقى خارج مفاهيم وحالات العصبوية، والاستخدام السياسي والتعدي على سيادة القانون، ومبدأ العدالة والمساواة، كل ذلك هو مهمة رئيسية لتحقيق بناء دولة مدنية ناجزة، فلا دولةً مدنيةً بدون مجتمع مدني.

كما أنّ مجتمعًا قادرًا على محاربة التعصب والتعدي على القانون، والحقوق والأقلية، هو مجتمع يؤمن بالمساواة وتكافئ الفرص والعدالة، ذلك هو مجتمع المواطنة وليس مجتمع المحاصصة، هو مجتمع يرسّخ مفهوم الوحدة الوطنية بكامل مكوناتها، في إطار الشخصية الوطنية الأردنية المنتمية إلى عروبتها وحضارتها العربية الإسلامية.

إنّ تلك هي المهام الأساسية لبناء دولة القانون والعدالة والديمقراطية، بناءً يمثّل "الدولة المدنية".

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.