wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الخطاب الديني في مواجهة الثورات الشعبية
الجمعة, March 11, 2011 - 01:15

تشير الأحداث التي تحصل في الوطن العربي إلى نوع جديد من الاحتجاجات والثورات، فهي حركات شعبية عامة لا تقودها نخب ولا أحزاب ولا عساكر، وقد تجاوزت هذه الثورات كل التوقعات والتحليلات التي ربما يتوقعها المحللون، فالتغير كان دائما نخبويا وصراعا بين سلطات في الدولة، أما اليوم فالشعوب هي التي تقود زمام المبادرة والتحرك، وفي هذا الخضم أخذت كثير من الأنظمة العربية تلجأ وتلوذ بالخطاب الديني من أجل وقف تلك الاحتجاجات وإخمادها، وخاصة أن العالم لم يعد يقبل القمع وتكميم الأفواه بالقوة الأمنية، بل الظروف لم تعد تجيز استخدام الأمن بمفهومه القمعي، وتحولت الحرية إلى مطلب جماهيري إنساني يتجاوز الحدود الوطنية، ولم يعد أي نظام قادرا على إخفاء المعلومات والحقائق، في زمن الثورة المعلوماتية وعولمة الأفكار والأقلام.
لقد تفاجأت الأنظمة العربية بهذه الثورات التي لم تتوقعها من قبل، وصارت تبحث عن وسائل للتخفيف من آثارها، والخروج منها بأقل الخسائر، حيث إن أغلب الشعوب تطالب بإسقاط الأنظمة وتغييرها، ومن المتوقع أن يتناغم الخطاب الديني إلى حد بعيد مع الأنظمة المأزومة، ذلك أن الآليات التي يستخدمها الطرفان متشابهة، من حيث الشكل والمضمون، فهناك أنظمة تعتقد انها تحكم بسلطة مطلقة، وأنها وصية على الشعوب، وأن للحاكم الحق في التصرف بالدولة بقرارات شخصية من دون مرجعيات وسلطات مدنية وقانونية، كما أن له الحق في الحكم بشرعية خاصة من دون شرعية الشعب، وتلك أيضا هي نظرة الجماعات الدينية للحاكم، حيث يستمد شرعيته من سلطة الله، فهو الإمام والوصي على خزائن الله وهو الحاكم بأمر الله، وله السمع والطاعة "حتى لو كان رأسه زبيبة!"، واليوم تسارع دوائر الإفتاء والمؤسسات الدينية في الوطن العربي إلى إصدار الفتاوى التي تحرم المظاهرات والخروج على ولي الأمر، حتى لوكان ظالما وفاسدا، ولا يجوز الخروج عليه إلا إذا أظهر كفرا بواحا، وقد أصدرت بعض دوائر الإفتاء في الدول العربية فتاوى صريحة في تحريم المظاهرات، وأورد هنا نص الفتوى لنعرف وجه التشابه بين الخطاب الديني وخطاب الأنظمة اليوم، تقول الفتوى:"فَباستقراءِ مَوَارِدِ التَّحْرِيمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَظْهَرُ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمَ الْمَقَاصِدِ، كَتَحْرِيمِ الشِّرْكِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَتْلِ الْعُدْوَانِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ تَحْرِيمٌ لِلْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ لِذَلِكَ وَالْمُسَهِّلَةِ لَهُ، وقدِ اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَذَكَرَ لِتَحْرِيمِ الذَّرَائِعِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مِثَالًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وإنَّ إبَاحَةَ الْوَسَائِلِ إلَى الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهِ نَقْضٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءٌ لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَةُ الشَّارِعِ وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ، بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَأْبَى ذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْوَسَائِلَ إلَيْهِ , لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا، وَلَحَصَلَ مِنْ جُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ خِلَافُ مَقْصُودِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا أَرَادُوا حَسْمَ الدَّاءِ مَنَعُوا صَاحِبَهُ مِنْ الطُّرُقِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَدَ عَلَيْهِمْ مَا يَرُومُونَ إصْلَاحَهُ". وعلى هذا التأصيل العلميِّ يتبيَّنُ لنا أنَّ تحريم المظاهرات والاعتصاماتِ والإضرابات في فتاوى أهل العلمِ يشمل كلا الجانبينِ: تحريم المقاصدِ وتحريم الوسائلِ؛ إذْ هي مُحرَّمةٌ من حيثُ المقاصدُ لكونها بدعةً محدثةً لا أصلَ لها في الدِّينِ وليست من أساليب النصيحة، وهي مُحرَّمةٌ من حيثُ الوسائلُ بالنَّظرِ إلى عواقبها ومآلاتها من حيثُ إِنَّها تُفضي إلى الكثيرِ من المفاسدِ".
تحاول الأنظمة العربية أمام هذا الزحف الجماهيري أن تشكك في النوايا والأهداف، وأن هناك أيادي خفية تحرك هذه الشعوب، لأنهم لا يثقون بقدرة الشعوب ولا يتخيلون أن تكون الشعوب قادرة على التفكير أو التغيير، وهذا أيضا يطابق النظرة الدينية المتوارثة للشعوب، حيث تصفهم بأنهم الغوغاء والعوام والدهماء، وقد كتب بعض "الربانيين" المدافعين عن الأنظمة، واصفا المظاهرات والاحتجاجات بأنها عمل الغوغاء والدهماء، وشبهها بالثورة "التي أجهزت على عثمان بن عفان وقتلته ثم منعت دفنه يوما كاملا وقام بعضها بالوطء على صدره حتى كسرت أضلاعه وهو ميت، ثم حمل آخرون قميصه وعليه دماؤه مطالبين بالثأر من قتلته ! وكذلك الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب وحاربوه ظلما وعدوانا، ورفعوا المصاحف على رؤوس الرماح وبقي فكرهم المتطرف إلى يومنا هذا، ومنهم أولئك الذين ادعوا نصرة الحسين في الكوفة وزينوا له فكرة الخروج على معاوية ثم غدروا به ليموت شهيدا ثم يجعلون يوم استشهاده ذكرى دموية سنوية"، وهم بذلك يقللون من قيمة الشعوب وقدرتها لأن النخب الحاكمة هي من جنس أرقى، وهي التي تعرف كيف تدار الأمور، وما على الرعاع إلا السمع والطاعة، مع ان الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يرفع من شأن الناس ويعتبر إيمانهم هو المقياس والحق الذي يجب أن يتبع، فقال تعالى:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ"، فجعل إيمان عموم الناس هو مقياس حقيقة الإيمان، لكن السلطة الإسلامية على مر التاريخ كانت تقلل من شأن العامة لحساب العائلات الحاكمة، ويبدو أن الأنظمة العربية ستسعى لاستغلال الفهم التاريخي وتعميمه على أنه جزء من الدين وسياسته في الحكم، وهذا أمر غير صحيح، فالتجارب التاريخية في الحكم ليست من الدين في شيء، وأن استبطانها واستغلالها اليوم لن يجدي نفعا أمام حركة التاريخ، وان على حراس التراث الديني أن يعرفوا جيدا أن "إيمان الناس" سيتجاوز "إيمان السفهاء".
ويبدو أن هذا التناغم بين بعض الجماعات الدينية والأنظمة الآيلة للسقوط قد أصبح يتكشف في مصر مثلا، حيث تحاول فلول الأجهزة الأمنية المتسلطة أن تستغل هذه الجماعات للتأثير على نتائج الثورة من خلال إثارة النعرات الدينية بين المسلمين والمسيحيين، حيث صارت الأهداف مشتركة لأن هذه الجماعات لا تقبل الثورات الشعبية، وترى أنها ستحقق المساواة بين المواطنين على اختلاف أديانهم، وهذا عندهم غير مقبول، لأن جزءا من مواردهم سيكون من ضرائب الجزية و"الخاوات".
واليوم لا بد أن يقرأ المسلمون قرآنهم جيدا من دون الاعتماد على مقولات التاريخ وسدنته، وأن يوقنوا أن الشعوب هي المقدسة وهي صاحبة الحق، ولن يعود التاريخ إلى الوراء.

الغد:11/3/2011

 

 

 
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.