
يعاين المرء عبر جَوْلاته وصَوْلاته نزوعاً للماديّ واستشراساً عليه، واحتراباً وتقاتلاً أجلَه، وصار هذا النَّهْج سَمْتاً يَسِم الأنظار العامة والخاصة.
حتى أضحى العيش مِضماراً ذا أطر متاح تجاوزها والتعدي على تابوهاتها ومقدساتها، وللخروج من هذا التغوّل والاقتتال تمسُّ الحاجة للعَوْد إلى الإنسان داخلَنا، الذي كرَّمه سبحانه وتعالى وخاطبه بوصفه مكلَّفاً يرمي إلى إنماء الحياة وطرد نسيج بنيانها، لا بوصفه كائناً ماديّاً ينهج الخراب والفناء.
إنَّ الإنعام في الخطاب الديني "القرآني والنبوي" للإنسان يجده خطاباً مُبرمَجاً وفق صِيَغ مصطفاة، لتتناغم مع أنضج وأحكم مَن على الوجود الأرضي(الإنسان)، وظلّ هذا الخطاب يتغيّى السمو بحال الإنسان إلى حال أسنى، ومكانة أسمى، ليتمكّن بعدها من المَيْز بين النور والنار، والضيّ والعَتَم، ومِن ثَمَّ اطِّراح الأوهام والغوائل الدنيويّة الفانية الطاحنة للوعي.
إنَّ الإنسان داخلَنا مَنظُومَة مَصفُوفة من الصبر والرويَّة والأناة، والجود والعطاء، والامتثال للبسمة والخير والصلح والطاعة، إنّه مثال المحبة الصادقة، والعاطفة الرؤوم، التي لا تخطئ بالفكر أو باليد أو القلم أو اللسان.
إنّه جزء أصيل جوّانيّ لركام الطين الخارجي، الذي بات موجّهاً وقائداً ومالكاً لعصا التَسيَار في أفعالِنَا وأقوالِنَا وأشواقِنَا ورغباتِنَا وما هو ثاوٍ في قيعانِ ذواتِنَا.
إنَّ الإنسان داخلَنا يروم أن "نقشّر عنّا أوهامَنَا، ونخلع اليأس اللاشعوري، والشك، والضياع البشري الذي يعمّ الأرجاء ويعمي الأنفاس... فهو يأبى امتلاك الرغبات والأمنيات وانتظار الزمن والرجاء الزائف المبني على الصنمية للمستقبل، وهما(الرجاء والتمني) صنوا الضلال.. والتيه، إذ كلاهما لابد مفضٍ إلى نزوع للامتلاك أو ترقب متأمل في استكانة ميتة، وكلاهما يتنافى مع الذات الفاعلة النَشِطَة التلقائية العفوية التي تقدم توجهاً مُنْتِجاً للحياة والوجود".
فما كان الله لِيَدَعَ الإنسانَ تحت أوقار الدهر، وأثقال العيش، حتى يودعه من نظام نفسه، مَن يذود عنه همومَ أمرِه، ويحتمل دونَه الكثيرَ من شأنِه، ويضيء له ما اعتراه من شعابِ الدنيا وظُلَمِ الخطوب، فمنحه إنساناً داخلَه يكون قسيمَ حياتِه، ومباءةَ شكاتِه، وعمادَ أمرِه، ومثارَ عاطفتِه، ومدارَ وجدانِه، ومَعْقِدَ ألْفَتِه، ومُجتَلَى قريحتِه، ومَشْرِقَ وحيِه، ومَهْبِطَ نجواه، وأولَ سلواه،... ونورَ الوجودِ في ناظرَيْه، وكلَّ شيء بين يَدَيْه.
وحينما نحيا الإنسان داخلَنا نفسح المجال رحْباً للتحوار والتثاقف والتواصل الحقيقي، الذي يرفض التفكّك والتفسّخ، واتّساع هوّة الشّرْخ القائم جراء الاتّعاظ بالدنيويّات والفرديّات والسَيْر نحوَها وأجلَها.
بعدها تصير النرجسيّة، التي ترى الآخر متخلّفاً غير خليق بالحياة، عادةً متباغضة متضائلة لا تلبث أن تذوي وتنضب.
إنّ الإنسان داخلَنا اعتراف صريح وتداول صحيح مع الآخر، وفق ما أفضى به الخطاب الديني، في قوله تعالى: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"، أي: وجعلناكم شعوباً شتّى، وقبائلَ متعدِّدةً؛ ليحصلَ بينكم التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف. وهذا ما اهتدى به أعلام المفكرين الغربيين أمثال فرانسيس فوكوياما الذي قال: "الإسلام عصيٌّ على الابتلاع، لأنه صرخة الحياة مقابل الموت الذي يجلبه الآخر المسيطر"، وكذا يقول صاموئيل هنتنجتون إنّ: "ردّ فعل الصحوة الإسلامية ليس رد فعل مناهضا للحداثة والتحديث بل هو رد فعل ضد الهيمنة والاستغلال".
محمود قدوم/ منقول عن الغد
بتاريخ:31/12/2010
ابحث
أضف تعليقاً