wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"الأسرة الصالحة" في المنظور الشرعي
الاثنين, May 11, 2009 - 01:00

صوّر الإسلام الأسرة التي تحيا وفق تعاليمه، باللبنة الصالحة, التي يعتمد عليها في صلاح المجتمع, فأسرة صالحة تعني همماً عالية وإنتاجاً راقياً وعطاءً غير محدود, وعلى العكس تماماً، فإن الأسرة الضائعة الفاسدة, فيها تقاعس عن العمل واستهلاك دائم. لذا فقد جُعل الدين هو الأساس الأول في اختيار شريك وشريكة الحياة. قال صلى الله عليه وسلم: (تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخاري.
وقد ورد النهي عن زواج المرأة لغير دينها، ففي الحديث: (من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذُلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه)، (رواه الطبراني في الأوسط). وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن. ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل)، (رواه ابن ماجة).
وعلى الطرف الآخر، قال لأهل الفتاة في الحديث الشريف: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض)، (رواه ابن ماجة والحاكم والترمذي). ونذكر أيضاً في هذا المقام ما أشار إليه الحسن بن علي، على أحد المسلمين عندما جاء يسأله قائلاً: خطب ابنتي جماعة، فمن أُزوجها؟ قال زوجها من التقي، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.

فلو اتفق الطرفان على أن الدين أساس الاختيار، واتفقت منابع الفكر وتوحدت مساقي الآراء وانبعثت من الشريعة، صار الفهم واحداً والتفاهم بينهما تاماً. أما الطبائع فمن السهل تغييرها بالتعود والإصرار، وما يصعب تغييره فلنتغاضى عنه. فلو أن هناك ما لا يعجب من صفات، فهناك مئات من الخصال الأخرى تعجب، وليس المطلوب من الزوج والزوجة أن يكونا صورة طبق الأصل من بعضهما.
وقد جعل الإسلام العلاقة بين الزوجين علاقة تكامل لا تنافس، قوامها المودة والرحمة، قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتكسنوا إليها وجعلَ بينكم مودةً ورحمة)، (الروم: 21).
وهذا التكامل أو الاندماج نتيجة أنهما من نفس واحدة ومن أصل واحد. قال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة، وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً)، (النساء: 1)، وقوله تعالى في وصف العلاقة بين الزوج وزوجه: (هُنَّ لباس لكم وأنتم لباسُ لهن)، فلا يوجد كلام أبلغ من هذا وأدق وأعمق في وصف العلاقة الزوجية، فاللباس ساتر وواق، والسكن راحة وطمأنينة واستقرار، وداخلهما المودة والرحمة. ولاستمرار العلاقة كما بينتها الآيات، حدد الإسلام دوراً ووظيفة لكل من الرجل والمرأة في الحياة الزوجية، وذكر لكل منهما حقوقًا وواجبات، إذا أدى كل منهما ما عليه سارت بهما السفينة إلى بر الأمان.
فمن واجبات الزوج الانفاق على زوجه قدر استطاعته، ومن الخطأ الاعتقاد أن المال الكثير هو سبب السعادة الزوجية، ومن الخطأ أن يقال إذا دخل الفقر من النافذة خرج الحب من الباب، فالسعادة يهبها الله، عز وجل، لمن اتبع تعاليمه وسار على نهجه الذي جاء في كتابه الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن واجبات الزوج أن يحسن معاملة زوجه ويعلمها تعاليم دينها، ويشاورها في شؤونهما ويرجح رأي الزوج. فعن حكيم بن معاوية عن أبيه قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)، (رواه أبو داود)، وأن يغض الزوج طرفه عن بعض نقائص زوجه، ولا سيما إن كانت لها محاسن ومكارم تغطي هذا النقص؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك -أي لا يبغض- مؤمن مؤمنة إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر)، (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم)، (رواه الترمذي).
أما واجبات الزوجة فهي أهم وأكبر من أن تُكتب في بعض السطور والأوراق، ثم يفرغ من قراءتها، فبيدها يتحول المنزل من قطعة من رياض الجنة إلى قطعة من نار جهنم، أو العكس، وأي تضحية من جانب الزوجة سيقابلها رد فعل أقوى وأكبر من جانب الزوج، وسينعكس تأثير هذا على الأسرة كلها.
ومن المفروض أن تأتي كل المعنويات التي تعتبر من مقومات السعادة الزوجية، من الزوجة أولاً، وليس هذا من باب التحيز للرجل أو غيره، وإنما هو من باب الفطرة السوية التي فطرت عليها المرأة. فأول من تحتضن الطفل وترعاه هي الأم، وعلى قدر حبها ورعايتها ينشأ الطفل. وما الزوج إلا طفل كبير والزوجة الناجحة هي التي ترعى زوجها، كما ترعى الأم أصغر أبنائها وأحبهم إلى قلبها، والآية الكريمة عندما ذكرت: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) بدأت بوصف واجب المرأة ودورها.
ولما كان اللباس هو الساتر والواقي، ويأتي من صاحب المال والقوة وهو الرجل، كان من باب أولى أن يبدأ بوصف دور الرجل ووظيفته، ولكنه لعظم دور المرأة وأهميته الذي يفوق دور المال والقوة بدأ بهن.
ولِعظم حق الزوج، قال صلى الله عليه وسلم: (لو كنتُ آمراً أحداً يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حَقِّه عليها)، (رواه الحاكم). وعن عائشة رضي الله عنها قالت، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقًا على المرأة؟ قال: زوجها، قالت: فأي الناس أعظم حقًا على الرجل؟ قال: "أُمّه" (رواه البزّار والحاكم)، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيّما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة)، (رواه ابن ماجة والترمذي).
وعلى المرأة أن تعي أن طاعتها لزوجها وإقامتها على شؤون حياته، عبادة لله ولها أجر المجاهدين، أي أن حُسن معاشرتها لزوجها ستنعم بنتائجه في الدنيا والآخرة.
والإسلام أوجب على المرأة الامتناع عن أي شيء يضيق به الرجل، وأن تعلم وتعي أن للرجل حق القوامة عليها لا تسلبه سلطته وآرائه. ومن حق الزوج على الزوجة ألا تصوم نافلة إلا بإذنه، وألا تحج تطوعاً ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حق الزوج على زوجه ألا تمنعه نفسها ولو كانت على ظهر قتب، وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا الفريضة)، (رواه أبو داود).

ورب كلمة حانية من الزوجة، وابتسامة صافية، وهدوء في الطبع، وأدب جم، وسلوك طيب، وقناعة بما قسمه الله، يعدل عند الرجل جمال الكون كله، والرجل الذي يشعر بالسعادة والراحة والاطمئنان مع زوجه وفي بيته، ينعكس ذلك على عمله وعلى علاقته بالآخرين.

أستاذ الشريعة/ جامعة الحسين بن طلال
منقول عن جريدة الغد 11/5/2009
 

 

 

 
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.