
معهم حق اخواننا "السلفيون" حين تبرأوا من الذين دخلوا على خط افكارهم او حاولوا تحريفها، ومعنا حق ايضا حين ندعو الى تحرير الفكرة "السلفية" من كل ما اعتراها من زوائد واضطرابات وفهومات لا علاقة لها ابدا بمقاصد الدين ولا بقيمة ولا بمنهج الشيخ ابن تيمية الذي اعتمدوه كمرجعية معتبرة للاجتهاد والتقليد.
امس كان ابن تيمية، حاضرا في "عمان"، وهي مناسبة لا تخلو من المفارقات، فبينما اختلف اخواننا هناك عمن يحق له -فعلا- ان ينتسب الى منهج الرجل وفكره ومواقفه، كانت قاعة المركز الثقافي وسط العاصمة تحتضن مؤتمرا نظمه المنتدى العالمي للوسطية حول "وسطية ابن تيمية"، وفي الشارع السلفي ثمة اتفاق على مرجعية ابن تيمية واختلاف على فهمه وتقدير مواقفه واحكام فتاواه، وفي قاعة "المركز" ثمة اجماع على "ريادته" ودقة منهجه ووسطية فكره، وثمة مراجعات حصيفة "لتراثه" ودروس من النقد لتجربته، وتحذير من الوقوع في دائرة "الهالة" لتقديسه والتعامل مع تراثه بمنطق النقل والاتباع لا بمنطق الفهم والتجديد والاحترام.
من المفارقات ايضا، ان حضور ابن تيمية المباغت سواء في "الزرقاء" او في "عمان"، في وسائل الاعلام المحلية او في ساحات "الاحداث" الاقليمية والدولية، وما اثير حول "مشروعه" من جدل، وحول "اتباعه" من اشتباكات، يتزامن تماما مع حضور "ثور" الاصلاح، هذا الذي اجتاح بيوتنا الزجاجية على امتداد عالمنا العربي، وثمة تشابه كبير في الظروف والمناخات، وفي "المحن" والاضطرابات، وفي المواقف والاعتبارات، لدرجة ان الضيفين العزيزين اصبحا موضوعا عاما للنقاش، وللاختلاف ايضا.
في الشارع، يتساءل الناس عن دخول "بعض" اتباع ابن تيمية على خط الاحتجاجات، وعن السيوف التي اشهروها، وعن الرسائل التي اراد البعض ان يبعثها في سياق استثمار الحدث او تأجيجه، ويتساءل آخرون عن علاقة هؤلاء "بشيخ الاسلام" وعن محاولات "حشرهم" تحت عباءته، وفي قاعة المؤتمر يستعيد المشاركون -بذكاء- "رمزية" ابن تيمية وتجربته، ويتحاورون حول علاقته بالاصلاح والتجديد، ويذكروننا بأن ثمة من اساء فهمه، وثمة من بالغ في تقليده، وثمة من تحرك في اطار "مرجعيته" للبناء من جديد، با يناسب عصرنا وقضايانا، وينسجم مع "العقل الذي لا يتعارض مع النقل" وفق قاعدة ابن تيمية الشهيرة.
اذن، بحضور ابن تيمية او غيابه، نختلف على الرجال ونختلف على الافكار ايضا، نختلف على الوقائع وعلى الادوار، ومن الطبيعي ان نخرج من اختلافاتنا الى "كلمة سواء" تضع اقدامنا على بداية تحررنا من "سوء الفهم" ومن الارتباك والتراشق ومن احكام "الردّة" الدينية والوطنية، على موطىء "آمن" ينقلنا من دوائر الغضب والحرد وعنف الكلام والممارسة الى دوائر "التوافق" والانسجام والمراجعات الكفيلة باحترام عقولنا.. وحقوقنا ايضا.
حضور ابن تيمية بيننا، مهما اختلفنا في تقييمه او في وزنه او فيما يليق به من احتفاء، يذكرنا -حتما- بقيم حاضرة واخرى غائبة على صعيد دور علمائنا ومؤسساتنا الدينية، وعلى صعيد "دور" الدين في حياتنا، ودور "التدين" بانماطه المختلفة في واقعنا، ويذكرنا -ايضا- بمحنة بلدنا وامتنا بين الاختلاف والائتلاف وبين الاصلاح والفساد، وبجدلنا حول "الهوامش" واستغراقنا في التفاصيل، وبجمودنا على التقليد وفزعنا من التجديد.
باختصار، كما نحتاج الى "ابن تيمية" جديد يخلصنا من اشتباكاتنا وصراعاتنا واوهام "النسب" التي نتذرع بها عند الخصام، نحتاج الى "اتباع" يتوافقون على المنهج وان اختلفوا في الفهم، ويحتشدون خلف الفكرة وان اختلفوا في وقت الدوران حولها، ونحتاج -ايضا- الى "مصلحين" جدد يؤمنون بالاصلاح ويضحون من اجله.. تماما كما فعل ابن تيمية حين أُمتُحِن وسُجِن و"حارب" بالقلم لا بالسيف، وحين ظل صداه يتردد في ذاكرتنا بعد نحو 750 عاما.
الدستور: 19-04-2011
ابحث
أضف تعليقاً