
ما فعلته الفيضانات الاخيرة في باكستان لم يكن اسوأ مما فعلته السياسة ، فاذا كانت النازلة الطبيعية قد تركت وراءها ملايين الضحايا والمشردين والفقراء. فان نازلة السياسة لم تترك في هذا البلد الجميل شيئا الا وغيرته وفي مقدمة هذه الاشياء هوية الباكستانيين التي تداخلت فيها الاسئلة والهواجس والمخاوف وامن الباكستانيين الذي صار اعزّ مفقود ، وحلم الباكستانيين بالوحدة والاستقرار هذا الذي تحول للاسف الى كابوس رهيب.
لا شيء يغطي على كآبة المشهد سوى طيبة هذا الشعب ، واحساسك وانت تستمع اليه بدفء محبته لضيوفه القادمين ، اما ما تبقى فيبعث في نفسك المرارة: اعداد الفقراء ازدادوا ، نسبة الامية وصلت الى %70 احاديث الانفجارات التي لا يعرف احد من المسؤول عنها تطفى على كل حديث الخوف من الجيران الاعداء يطرح الان الاسئلة حول المستقبل ، وفي الجامعة الاسلامية العالمية التي استضافت المؤتمر الذي عقده المنتدى العالمي للوسطية حول دور الوسطية في نهضة واستقرار الباكستان.. ما زال الاساتذة والطلبة يتذكرون حادثة الانفجارات التي جرت قبل نحو سنة في رحاب الجامعة وراح ضحيتها نحو خمسة عشر طالبا وطالبة وحين سألنا من هو المسؤول ؟ قالوا: حتى الان لم تصل التحقيقات الى نتيجة محددة.
من فعل هذا بباكستان؟ الكل يجيب: انها السياسة هذه التي دفعت البلد الى معمعات الاحتراب والقلق والازمات المتوالدة ، وهذه التي جعلت الباكستانيين ضحية لمؤامرات الاخر ومخططاته ، ولنهم الاقطاع السياسي الذي استحوذ على ارادة الناس ومصيرهم ، ولسطوة الصراع الداخلي الذي انتج العنف وجماعاته وهيج الانتماءات القبلية على حساب الانتماء للبلد وعلى حساب احترام هيبة الدولة والاحتكام للقوانين والانظمة.
اثنان يجمعان الباكستانيين اليوم: محمد اقبال الفيلسوف والشاعر يجمعهم على استلهام معاني الرابطة الواحدة والنضال من اجل التحرر والاستقلال والوفاق ، والسياسيون ابتداء من مشرف وربما الذين سبقوه ولحقوه يجمعونهم على رفض التدخل الخارجي. وعلى سوء مآلات الخيار
الذي اعتمدوه حين وضعوا الباكستان في خدمة مغامرات ومشروعات سياسية وعسكرية لم تقدم للباكستان سوى مزيد من الدمار والخراب.
يا الهي كيف تحولت باكستان التي كنا نحلم - ذات يوم - بقيادة امتنا نحو النهضة والوحدة ، وبمنجزها النووي كموازن للردع مع اعدائنا ويشاعرها اقبال كملهم لزعاماتنا ، وبتنوعها الثقافي والعرقي ورابطتها الاسلامية كمنوذج لبلداننا. كيف تحولت الى هذه الصورة ، كيف تبددت احلامها وانتقدت امانها وانشغلت بازماتها وصراعاتها مع اعدائها في الداخل والخارج. لماذا حصل ذلك واين اشقاؤها المسلمون منها اين قضية باكستان من اكثر من مليار ونصف المليار مسلم؟ غدا نحاول الاجابة.
منقول عن صحيفة الدستور الأردنية
12/10/2010
ابحث
أضف تعليقاً