wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أفغانستان: موسم سفك الدماء
الخميس, June 11, 2015

على حافة هضبة مغبرة بالقرب من مدينة قندوز الشمالية، يتخذ محمد خان وعائلته لأنفسهم مأوى في خيمة رثة. ويقول إنه يستطيع من هنا أن يشاهد تقريباً منزله الذي يبعد نحو 8 كيلومترات (5 أميال) عبر النهر في مقاطعة شاهار دارا. لكن هناك احتمالاً كبيراً بأن يكون قد احتل منزله الآن مقاتل أفغاني وعائلته. فقد اجتاح المتمردون تلك المنطقة أخيراً، والذين حققوا تقدماً في هذا الجزء من أفغانستان، وخاصة بالقرب من الحدود مع طاجيكستان.
كانت طالبان، المعززة بالمقاتلين الأجانب، قد اختارت قندوز -المدينة البعيدة عن الأرض الرئيسية التقليدية لحركة طالبان في مناطق يغلب عليها البوشتان بمحاذاة الحدود مع باكستان- كمكان تركيز لهجومها الربيعي السنوي. وكان القتال الذي استعر في شهر أيار (مايو) قد شرد نحو 6.000 عائلة في مقاطعة قندوز، بعد أن كادت المدينة نفسها تسقط في أيدي المتمردين في أواخر نيسان (أبريل). ويقول السيد خان "إن الجيش لا يستطيع ردهم على أعقابهم، حتى بمساعدة الطائرات العمودية والأسلحة الثقيلة".
لأن القوات الأفغانية تقاتل لأول مرة من دون الكثير من دعم قوات حلف "الناتو" فقد منيت بخسائر عالية على غير العادة. وتبدي السلطات تردداً في إعطاء أرقام، لكنه نُقل عن مسؤول عسكري غربي، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، قوله إن أكثر من 1.800 جندي وضابط شرطة قد قتلوا، بينما جرح 3.400 آخرين في الفترة بين كانون الثاني (يناير) ونيسان (أبريل) -وهو ما يزيد بنسبة 65 % على خسائر الفترة نفسها من العام السابق. ويوم 25 أيار (مايو)، قتل نحو 26 جندياً حكومياً خلال حصار المقر الرئيسي للشرطة في مقاطعة هيلماند الجنوبية.
رغم هذه الخسائر، يقول العديد من الأفغان إن حكومتهم تثبت أنها بطيئة في الرد على هجمات طالبان. وبعد ثمانية أشهر كاملة من تنصيبه كرئيس، قام أشرف غني من توه بتسمية وزير للدفاع، والذي سيعين بعد موافقة البرلمان عليه. وفي الأثناء، لا تنعم حتى العاصمة الأفغانية، كابول، بالأمان. فقبل أسبوعين تقريباً، داهم رجال مسلحون فندقاً في العاصمة وقتلوا 14 شخصاً، بمن فيهم تسعة من الأجانب. وبعد أسبوع من ذلك، فجر انتحاري نفسه في وزارة الدفاع، مما أدى إلى مقتل خمسة موظفين على الأقل. ويوم 27 أيار (مايو) الماضي، تعرض جزء من سوق علوي في المدينة إلى الهجوم مرة أخرى. كما قتل أربعة مسلحين بعد محاولتهم مداهمة بيت للضيافة.
في أعقاب هذه الأحداث، أرسلت الحكومة المركزية عدة آلاف من الجنود للمساعدة في قندوز، التي تعد مسرحاً لأكثر القتال ضراوة وسوءاً حتى الآن. كما عمدت أيضاً إلى تبني تكتيكات أقل جاذبية، والتي ما تزال تمارس بطريقة روتينية منذ العام 2009 على الأقل؛ حيث تقوم بهدوء بتجنيد أمراء حرب محليين وميليشياتهم للمساعدة في مواجهة المتمردين. ويجب أن يساعد ذلك في لجم التهديد المباشر. ولكن من خلال الإضافة إلى الكميات الكبيرة من الأسلحة الموجودة على الأرض أصلاً، فإن الحكومة تجازف بذلك بنشر عدم الاستقرار في وقت تشتبك فيه مع المجموعات المعادية لطالبان والمتنافسة مع بعضها بعضا.
لا غرابة إذن في أن تكون قندوز مسرحا لمثل هذا النزاع. وتجدر الإشارة إلى أن قادة من التحالف الشمالي لطالما قاتلوا، وغالباً بوحشية، من أجل الحصول على منطقة طرفية في شمال البلد. وعنى ذلك بالنسبة للسكان سيئي الطالع التعرض للابتزاز الدائم والمضايقات وعمليات القتل الانتقامية. وقد اضمحلت سلطة الحكومة هناك بالتدريج.
اليوم، هناك قائد ميليشيا قوي، هو محمد عمر، الذي يدعي السيطرة على 400 رجل مسلح في مقاطعة خان أباد. وهو يستخدم لقب "بخشاباران"، ويعني"ساحق الجدار"، ويقول إنه يقاتل طالبان من دون مساعدة من الجيش الوطني، ويتلقى مبلغ 1000 دولار شهرياً من رئيس الشرطة المحلية. ويقول من دون شرح لطرق جمعه للأموال: "وأتلقى الباقي من المزارعين".
من جهتها، تنفي الحكومة أنها تعيد تسليح الميليشيات، مع أنها تقر بما تصفه بأنه "مشاركة طوعية اختيارية من جانب مواطنين" في القتال ضد طالبان. وبكلتا الطريقتين، تبدو استراتيجية السيد غني المقترحة لتهميش أمراء الحرب الأقوياء بينما تتم تقوية الحكومة المحلية وأنها قد ذهبت إلى النسيان.
ثمة خوف من أن تتجه الميليشيات التي تدعى محلياً باسم "ارباكي" نحو الاغتصاب والجريمة وإساءات أخرى ضد المدنيين، كما كان قد حدث خلال الحرب الأهلية في سنوات التسعينيات. ومن شأن ذلك أن يفضي بالتالي إلى نشر التعاطف مع طالبان التي توفر شكلاً ما من النظام على الأقل. ويقول السيد خان، اللاجئ في مكان بالقرب من قندوز: "خلال النهار هم أرباكي، وفي الليل هم لصوص".
ثمة مكمن قلق آخر يتمثل في احتمال ظهور فصيل جديد من المتمردين. وهناك إشاعات تقول إن مقاتلين يعملون تحت الراية السوداء للدولة الإسلامية "داعش" يزدادون من حيث القوة. ويخبر مزارعون مشردون عن مشاهدة رجال مسلحين يرتدون أقنعة "داعش" وملابس سوداء. وذُكر أن هؤلاء الرجال مجهزون تماماً ويتمتعون بثراء كاف بحيث لا يقدمون على ابتزاز المدنيين. وتتباين التقارير حول ما إذا كانوا مع طالبان أو ضدها.
هناك القليل من الأدلة على أن "داعش" تتوافر على قوة يمكن تمييزها في أفغانستان، أو أن أولئك الذين يستخدمون اسمها يتوافرون على روابط رسمية مع "داعش" في الشرق الأوسط، الذي لا يذكر أبداً أي تواجد له في أفغانستان. وكانت مجموعة تطلق على نفسها اسم "الدولة الإسلامية" قد أعلنت مسؤوليتها عن هجوم شن في مدينة جلال أباد الشرقية في نيسان (أبريل)، والذي أسفر عن مقتل 30 شخصاً. لكن ارتباطها مع "داعش" في الأماكن الأخرى، إذا وجد، يبقى غير واضح.
الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن الأعضاء المحرومين من الامتيازات في طالبان يتبنون ماركة "داعش" لأنها معروفة جداً وتساعد في اجتذاب المجندين وتمويلهم. وذكر أن بعض المقاتلين الأصغر سناً اشتكوا من افتقار طالبان إلى قادة أقوياء. وتجدر ملاحظة أن الزعيم الروحي لطالبان، الملا عمر، لم يشاهد علانية منذ العام 2001. وثمة قائد سابق في طالبان، الملا عبد الرؤوف قديم، والذي كان قد اعتقل في خليج غوانتنامو، قد بدأ في تجنيد مقاتلين باسم "داعش" هذا العام في مقاطعة هيلمند. لكنه قتل في غارة طائرة من دون طيار في شباط (فبراير) الماضي. ولم يعترف الأميركيون بأنهم يقفون وراء مقتله.
من غير المرجح أن تكون طالبان حليفة لتنظيم "الدولة الإسلامية"؛ حيث تتوافر حركة طالبان القومية البلوشية على القليل من الاهتمام بحلم "داعش" بالخلافة العابرة للقارات. وهم يبدون مستعدين للقبول بالمفاوضات السياسية ذات يوم مع السلطات في كابول، وهو الأمر الذي لا يقدم عليه "الدولة الإسلامية". ويتبنى أعلى الضباط الأميركيين رتبة في أفغانستان، الجنرال جون كامبل، الفكرة القائلة إن أتباع "الدولة الإسلامية" كانوا يشتبكون مع طالبان. لكن انتشار الفصائل في أوساط المتمردين يشكل بالكاد سبباً للاحتفال. وفي الجانب الحكومي أيضاً، يتم تقاسم السلطة مع الميليشيات. وهذه وصفة لمزيد من عدم اليقين -وربما لمزيد من إراقة الدماء.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.